الثورة- أديب مخزوم:
معرض الفنانة التشكيلية جوليا سعيد في صالة الرواق العربي، تضمن مجموعة من لوحاتها التي تنوّعت في مواضيعها، حيث جسدّت البيوت القديمة والنواعير والمرأة العاملة في البيت والحقل، وصولاً إلى رسم راقصة الباليه وتلاميذ المدارس والزهور والسنابل والطيور والخيول والجمال والقطط وكلّ مايقع في الدائرة الحياتية، رغم أن المرأة بحالاتها ووضعياتها وتعابيرها المختلفة تبدو قاسماً مشتركاً في معظم لوحاتها . وجوليا سعيد التي حملت إلينا لوحاتها من طرطوس، وتتحمل في كلّ مرّة مشقّة السفر لإقامة ورشة رسم للأطفال، أو للمشاركة بمعرض، تنتمي إلى أسرة فنية وثقافية، وهذا ساعدها على مواصلة الإنتاج والعرض، حتى في أصعب الظروف وأحلكها. وأكثر مايميز تجربتها اعتمادها على ألوان ترابية تستخرجها بنفسها من أمكنة مختلفة في الإطار الجغرافي السوري، ولقد امتلكت خبرة في هذا المجال، بعد أن دعيت إلى إقامة ورشات عمل للأطفال في مراكز ثقافية في دمشق ومدن سورية أخرى، وهي تحمل معها إلى معرضها، عينات من هذه التربة ، بألوانها المختلفة والمتنوعة، رغم أن اللافت في معرضها اعتمادها على اللون البني ودرجاته المختلفة .
حيث امتلكت خبرة خاصة في التعامل مع هذا الهاجس التقني، الذي يحتاج إلى حساسية بصرية خاصة، وعملت منذ سنوات ولا تزال تعمل على تجسيد المشاهد الطبيعية الخلوية والقروية وفازات الزهور والورود والبيوت الدمشقية القديمة ونوافذها المشرعة على الورود والزهور والياسمين، وتتميز لوحاتها بالاختصار والتبسيط والعفوية، وهي تعمل على إبراز اللمسة اللونية بالتعبير التلقائي المعبر عن حركة وحيوية المشهد المعماري والريفي .. كلّ ذلك بصياغة فنية حديثة تعبيرية ورمزية تسير في إطار وهاجس واحد، هو تبسيط الشكل وتحويره وإعادة تركيبه عبر الايقاعات اللونية المتداخلة والمتجاورة للوصول إلى مناخ الصياغة المختصرة والمبسطة. ورغم مرارة المرحلة والعوائق التي تحدّ من مواصلة الانتاج والعرض، في مجال الفن التشكيلي، لم تنقطع جوليا سعيد ولم تخف عزيمتها وتطلعاتها، وهذا يؤكد شغفها وعشقها المزمن للفن والإبداع والثقافة . وهي تبتعد عن تقليدية الأداء الواقعي الدقيق، وتتجه نحو مظهر الاستفادة من معطيات الفنون الحديثة، في تعاطيها مع اللمسة العفوية المباشرة كمدخل للكشف عن عالمها التقني الترابي الخاص. فقد استطاعت خلال سنوات تجربتها كشف أسرار التقنيات الترابية المحلية، والاطلاع على إمكانيات تحريك الموضوعات الواقعية للوصول إلى اللوحة الفنية في تجلياتها المتحررة، وهذا المظهر العفوي في التعاطي مع اللمسة اللونية العفوية تتخذه كمدخل لبناء لوحة محلية بعيدة عن الألوان الجاهزة والمستوردة . هكذا تقدّم في معرضها الفردي، بعد مشاركات في معارض جماعية عديدة، مجموعة لوحات (قياسات مختلفة) تتابع فيها مسيرة التعبير التلقائي عن حركة وحيوية المشهد المحلي، مع التركيز على المرأة السورية، موضوعها المحبب، إضافة إلى موضوعات مقتطفة من تأملاتها للبيوت الدمشقية وبرك المياه وأحواض الزهور وغيرها . ويمكن القول :إن إقامتها وتنقلاتها بين أكثر من مدينة سورية، قد غذت في نفسها حبّ التنويع في الموضوعات، التي تجسدها بإحساسها التقني الخاص. ولا بدّ أن تتغير لوحاتها من ناحية ألوان التراب التي تختلف من مكان لآخر، فالعامل الجغرافي يلعب دوره في تحديد المناخ اللوني، التي يظهر في لوحاتها بين مكان وآخر. والعفوية التي يتطلبها هذا الهاجس التقني الخاص، يلائم شخصيتها. حيث تختلط في لوحاتها الأشياء التي تراها أو تستخرجها من الذاكرة . والأصالة في لوحاتها ترتبط بالأرض (تراب الوطن) كما ترتبط بالبناء المعماري الدمشقي والطابع الريفي الحالم، والمظاهر التراثية المتنوعة التي تركز عليها، كما أنها تعمل على إبراز تفاعل المرأة في حياتها اليومية مع الأرض. وهكذا يمكن أن تشكل لوحاتها بمعناها البصري مدخلاً لرؤية خصوصيات اللون الترابي المحلي بدرجاته المختلفة والمتنوعة، والمشاهد الريفية والمعمارية وتنويعات الزهور والورود، التي تحقق السعادة لاحتوائها فرح اللون المتدرج من البني نحو البياض والشاعرية.