يدخل الرجل إلى غرفة العرض في صالة السينما المهجورة، وبين علب الأشرطة المركونة على رفوفها تستعيد ذاكرته زمناً غابراً كان فيه طفلاً صغيراً يتسلل إلى الغرفة ذاتها في أوج مجد الصالة ليتابع من نافذتها الصغيرة ما يعرض على الشاشة من صور لا تمحوها الأيام..
تلك هي حكاية فيلم (سينما براديسو) المفعمة بالحنين إلى ماضي السينما الجميل، تحمل منه أجيال عديدة ذكرياتها الدافئة عن صالات العرض وأفلامها وطقوس حضورها حين كانت تنتشر في المدن والكثير من القرى، ويتلهف الناس لمتابعة ما تعرض من أفلام جديدة شكّلت بعضاً هاماً من ذاكرتهم الجماعية. ولعل (سينما براديسو) قد ألهمت أيضاً القائمين على حفل افتتاح مهرجان دمشق قبل نحو اثني عشر سنة فجلنا و (نجم) ابن عامل الصالة القديمة في دمشق مع شريط (كوكتيل) استعرض عبر لقطات سينمائية يواكبها عرض استعراضي مسرحي مشاهد من أفلام مختارة تمثل عنواناً لتظاهرات وفعاليات المهرجان، وجاء تكريم صاحب سينما (الدنيا) بدمشق يومذاك ليحيي بدوره كثيراً من الذكريات عن تلك الصالة التي عرضت في زمن ألق العرض السينمائي عدداً يكاد لا يحصى من روائع السينما العالمية.
كانت سينما (الدنيا) واحدة من الصالات التي تتنافس في تقديم الأجمل والأحدث، ولكنّها كانت الأكثر تميزاً بين شقيقاتها بحكم تخصصها بعرض أفلام كبريات شركات السينما العالمية، وكثيراً ما كان الحصول على مقعد في الصالة يتطلب حجزاً مسبقاً، وكان الزبائن قادرين على حجز مقاعدهم بواسطة الهاتف منذ الصباح، فإذا ما جاء المساء وحل وقت العرض ارتدت الأسرة أجمل ثيابها واتجهت إلى الصالة كما تفعل في أي احتفال أنيق. وقد حافظت (الدنيا) على جمهورها الخاص حتى بعد أن تخلّت عن أفلام (هوليود) متجهة إلى الأفلام الأوروبية التي لقيت نجاحاً واسعاً، فبقيت حفلات السهرة للعائلات، في حين حجز طلاب المدارس والجامعة حفلة الثالثة ظهراً، وكانت الأهم بينها حفلة يوم الأحد ففيها كان يبدأ عرض فيلم جديد.
أدّت أسباب عدة إلى تراجع العرض السينمائي، وعزوف كثيرين عن صالات العرض، وسعت وزارة الثقافة للحفاظ على ألق العرض السينمائي عبر صالات (الكندي) التي أقامتها في دمشق وعدد من المدن، ومن خلال إبقاء الصالات ومنع تغيير صفتها، ولكن هذا التوجه لم يكن بإمكانه الحفاظ لا على ألق العرض السينمائي، ولا على جمهور السينما لأسباب شتى منها عدم التمكن من استيراد الأفلام الجديدة. ومنها التحولات الاجتماعية والاقتصادية العامة، التي لم تكن في صالح العرض السينمائي. وخاصة في سنوات الحرب وجائحة الكورونا، وكذلك الأحوال الاقتصادية التي دفعت الكثيرين نحو التلفزيون والنت.
قبل أيام قليلة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور جديدة لصالة سينما (الأهرام) في شارع بورسعيد بدمشق وقد تحولت إلى صالة للمفروشات. استعادت تلك الصور البهية – الكئيبة من ذاكرتي كيف تحولت صالات السينما في بيروت إلى مؤسسات تجارية ومستودعات ومولات. بعد أن شهدت سنوات طويلة من الازدهار والحيوية السينمائية والمسرحية. كما استعادت صور بعض الصالات المغلقة في دمشق كصالة سينما الأمير، التي لها من مرحلة شبابنا ذكريات لا تنسى، وصالات غيرها شبه مغلقة كانت تضج بالحياة في زمن مضى.
لا أذكر أني دخلت صالة (الأهرام) يوماً. ومع ذلك فإن مكان الشاشة في صدر صالة المفروشات التي صارتها خلق في نفسي حزناً عميقاً كالذي كان يوم ُأغلقت مكتبات الزهراء وميسلون ونوبل وسواها، ومسرح معرض دمشق الدولي، ومتحف وزارة التربية الذي أنشأه الفنان ممدوح قشلان. ويوم اتجهت النية (التي لم تتحقق لحسن الحظ) لدي محافظة دمشق، لتحويل مبنى (النادي العربي) التاريخي إلى قاعة اجتماعات للمحافظة..
ربما لإحساسي أن شيئاً من الذكريات الجميلة قد اختفى للأبد.. أو لإدراكي أن هوية مدننا تتآكل شيئاً فشيئاً..
وأعلم أن تغيّر الحال لا يعبأ بتلك المشاعر والذكريات.