محمد شريف الجيوسي – كاتب أردني :
تزامنت في الأيام الأخيرة 3 أحداث تكمل بعضها استراتيجياً، وإن لم يجلس أطرافها بالضرورة ويضعوا قواعدها.
أولاها تصريح الرئيس التركي العثماني الإخواني أردوغان بعدم انسحاب قواته المحتلة من سورية بذريعة محاربة الإرهاب، وهو التصريح الذي حرص على إطلاقه أثناء جولته الخليجية، في محاولة خبيثة لإعطاء انطباع بأن استمرار احتلاله لأراض سورية وعراقية، يحظى بقبول إقليمي، في حين أن وجوده الاحتلالي في سورية كان استولد الإرهاب ودعمه (بالتعاون والتنسيق مع آخرين)، وفي حين أنه يعلم أن وجوده العدواني هذا ، لم يكن ليحظى بقبول السعودية والإمارات وغيرهما في السنوات الأخيرة، لأسباب واعتبارات معروفة ومفهومة.
ويعلم أردوغان أن تحرير شمال غرب وشمال شرق هدف سوري رئيس، وكذلك عند زاوية الحدود السورية العراقية الأردنية (قاعدتا التنف والركبان الأمريكيتان غير الشرعيتين)، وأن من معيقات دحره لبعض الوقت احتضان تركيا للتنظيمات الإرهابية في مناطق سيطرتها في شمال غرب سورية (أي في ريفي اللاذقية وإدلب) .
ويعلم أردوغان أيضاً أن دعم حليفته أمريكا والنيتو -الذي هو عضو فيه- لميليشيا قسد الانفصالية هو ما يمد في عمر تواجدها في بعض مناطق شمال شرقي سورية.. وأن أمريكا هي من خلقت قسد وتورطها بأن تكون دمية بيدها، وأنها أي تركيا بتعطيشها المواطنين السوريين وغير ذلك تسهم بتدعيم سيطرتها، وتهدف لإضعاف الدولة الوطنية السورية، وبالتالي ضرب الأمن القومي التركي ذاته، لأن مناطق سيطرة قسد تمنح أكراد تركيا الانفصاليين هامشاً للتحرك ضد سلطة اردوغان نفسها.
بمعنى آخر من مصلحة تركيا، أن تستكمل سورية تحرير ترابها الوطني (حيث لا مصلحة لها في قيام كيانات انفصالية)، فالعصابات الإرهابية والانفصالية، تشكل أخطاراً ماثلة على المنطقة (سورية وتركيا والعراق وإيران).. والبديل الأمثل لتذاكي أردوغان التوسعي المسلح والتدخل العدواني في شؤون دول الجوار، وسرقة المياه والثروات والتغييرات الديمغرافية، هو الانسحاب التلقائي، وترك سورية والعراق تنظفان أراضيهما مما تبقى من إرهابيين وانفصاليين ، وعلى تركيا استخدام علاقاتها المتشابكة مع الغرب لأجل توقفه عن دعم الجماعات الإرهابية والانفصالية والانسحاب كلياً من المنطقة، ولتتذكر أنقرة أن تورطاتها العدوانية العثمانية العقيدية أخسرتها كثيراً على غير صعيد، بعد أن كانت صفر أعداء، وأصبحت صفر أصدقاء، فضلا عن تراجعها الاقتصادي، وما شهده أمنها القومي من مشكلات خير شاهد.
أما ثاني هذه الأحداث فهو تركيز الولايات المتحدة وجودها العسكري العدواني في المنطقة بعامة (بخاصة في مضيق هرمز وسورية)، وهو التركيز الذي يستهدف في جملة أهداف منها تطويق التقارب السعودي الإيراني بدعم صيني، ويدعم الوجود الأمريكي عملياً؛ وكذلك الوجود الاحتلالي التركي لأراض سورية وعراقية وسرقة مياههما وبالتالي العودة إلى تنشيط الجماعات الإرهابية، ما يفقد المنطقة الهدوء والسلام ويدخلها في متاهات جديدة ؛ بحسب المخطط الأميركي.
وتأتي جولة أردوغان موضوعياً لتكمل الأهداف الأمريكية وفي خدمتها، لمنع التقارب العربي نحو إيران وسورية بل ونحو روسيا والصين والتلويح بمصالح بديلة أو موازية، وللتحذير من تقارب عراقي سوري، وليس كأردوغان من هو أقدر أن يلعب على ذلك، رغم مصالحه المتشابكة مع إيران وروسيا، لكن دماغه المتخم بأوهام العثمنة والأخونة والعقدانية المريضة، ووراثة التبعية لأمريكا والنيتو، ستورطه ثانية على حساب مصالح تركيا الاستراتيجية.
وأما الحدث الثالث فيتمثل بتطوير أمريكا للحرب الأوكرانية بتزويد أوكرانيا بأسلحة ممنوعة وبتدمير جسر القرم ، بأمل إشغال روسيا عن مجابهة التصعيد في سورية والخليج، وعن تعزيز تحالفها مع الصين، ما استدعى روسيا لإغلاق البحر الأسود، بخاصة أن أوكرانيا والغرب لم يلتزما بتطبيق كامل الاتفاق المعقود بوساطة تركية بشأن تصدير الحبوب والمواد الغذائية ومستلزمات زراعية، من قبل كل من روسيا وأوكرانيا، والذي لم يطبق بالكامل وإنما جزئياً لصالح دول بعينها؛ دون الدول الفقيرة التي بحاجة ماسة لها، وأعطيت أوكرانيا أولوية لتصدير منتجاتها دون روسيا، وأتاح التصعيد لأمريكا وحليفاتها؛ تحميل روسيا، مسؤولية إغلاق “الأسود”؛ وما أسمته تجويع العالم، فيما هي (أي أمريكا) تتحمل مسؤولية المتاجرة باحتياجات الدول الفقيرة، حيث صُدرت الحبوب إلى مزارع الخنازير في الدول الغربية لتحرم الآخرين منها.
بكلمات، ستزج منطقتنا العربية في مرحلة صراعات جديدة، وستكون ساحة مستحكمة وحاكمة في حروب قادمة، لكن نتائجها على المنطقة لن تكون بالمعنى الاستراتيجي سيئة كما الحربين العالميتين الأولى والثانية، بدلائل التبدلات الحاصلة في موازين القوى العالمية راهناً، وما استتبع عربياً من استخلاصات مختلفة، وما شهدته من تطبيقات عملية غير منسجمة مع الرؤية الأمريكية غالباً.

التالي