ترفع غطاء وعاء بدأ بالغليان.. وتنظر إلى مكوناته ومزيج عناصره..
كم تعشق خلط خضروات متنوعة ومتناقضة بألوانها.
تأخذ نفساً عميقاً بأسلوب لا يخلو من متعة وسعادة لا حدود لها..
تستغرق في اللحظة وكما لو أنها أجمل متع الحياة على الإطلاق.
يخطر لها أن مقدار سعادتنا يتمدد ويتناسب أطراداً مع مقدار ما نكتشف من مهاراتنا ونمارس من هواياتنا مهما تناهت في الصغر.
مؤخراً أرادتْ استعادة مهارتها في الطبخ..
بالحقيقة، كانت تستخدم كل الأشياء التي تحبّها كوسيلة استرخاء.. سواء أكانت مهارات أو هوايات مخبّأة في شقوق الوقت.
تهرب بها كلّما تصاعدت أسراب القلق في تفاصيل يومياتها.. وما أكثرها في هذا الزمن الذي لا يكاد يُعرف له توصيف..
أشياء صغيرة وتفاصيل بسيطة.. تنتشلها من كل ما يسبب القلق، التوتر، والانزعاج..
وربما كانت أشياء مُهملة، منسية، أو حتى غير مرئية بالنسبة للآخرين..
أما بالنسبة لها فهي قادرة على خلق عالم كامل من تلك “الأشياء”.. وعلى رأي (أفونسو كروش): “ليس ثمة أقوى من الأشياء التي لا تُرى”.. بمعنى ليس ثمة أقوى من الأشياء المخبّأة وراء ما نراه..
فالأشياء، حقيقةً، ليست كما تبدو..
وأجمل ذكرياتنا وحكايانا تكمن خلف تلك الأشياء..
مجرد حركة بسيطة أو فعل غير مقصود كفيل بزعزعة قائمة أشياء تستقر في أعماقنا..
ثابتة.. ساكنة.. تحتاج من يهزّها.. فينفض غبار الزمن عنها.
بصراحة، نحن نستعيد سيرتنا عبر تلك الأشياء..
ونعيد التذكير بما كنا عليه من خلالها.
فالأشياء من حولنا تحدّد، أحياناً كثيرة، هويتنا وتُفصح عمن نكون.
قليلة، وربما نادرة، هي المرّات التي فكرنا بها بقوة الأشياء (العادية) المتناثرة حولنا طوال الوقت..
هل سبق وتأملنا ما تختزنه من نفائس العمر..؟
كيف يمكن لتلك الأشياء (الملموسة، المادية، الملحوظة) أن تكون وسيلتنا نحو عالم المشاعر والوجدانيات..؟
لعل وجودنا يختصر على هيئة تلك الأشياء التي لا نلقي لها بالاً معظم الوقت.. تماماً كما ذكرت إحدى شخصيات (أفونسو كروش): “لا يمكن للمرء أن يشعر بالطمأنينة إلا وقدماه ثابتتان بقرب الأشياء ذاتها، إلى حدّ أنه يتوقف عن الانتباه إليها إذ إنها تصبح جزءاً منه”.