هفاف ميهوب
الفكرُ الذي يحافظ على مذاقٍ من الدمّ واللحم، هو الفكر الذي أحبّه الفيلسوف الروماني «إميل سيوران»، والكتابة التي تتحايل على حياةٍ تتظاهر بالمعنى، ولا معنى لها على الإطلاق، هي الكتابة التي آمن بها، وجعلته يسخر من الفكرِ المحنّط في صرامته، ومن الحياة التي وجدها تؤرّق الإنسان من كلّ النواحي، وتقوده إلى الموت، رفض الاستسلام لها، وواجهها بالكتابة الساخرة واللاذعة، التي فضّل أن تقتله بشظايا مفرداتها، وبجرأةٍ صاغت فلسفته:
«لا قيمة لكاتبٍ ليس جريئاً في الحياة».
نعم، كان «سيوران» جريئاً في مواجهته للحياة، ولم تكن مشكلته معها، بسبب الموت الذي تقود الإنسان إليه، وإنما بسبب الولادة أي البداية التي تُطلقه محمّلاً بشتى أنواع القلق، بل الألم وصرخة الندم:
«نحن لا نركض نحو الموت، نحن نفرُّ من كارثةِ الولادة، ونتخبّط مثل ناجين يحاولون نسيانها الشيءُ الوحيد الذي أشعر بالفخر لفهمي له مبكراً جداً، هو أنه لا يجب أن تولد.. إن رعب الزواج والأسرة وجميع الأعراف الاجتماعية، يأتي من ذلك. إنها جريمة أن تنقل مكامن الخلل الخاصة بك إلى ذريةٍ، وبالتالي إجبارها على المرور بنفس المحن التي تمرّ بها، من خلال محنةٍ قد تكون أسوأ من محنتك».
إن هذا الكمّ من التشاؤم، والميل نحو العدميّة، نجدهما أيضاً، لدى الفيلسوف الألماني الساخر «شوبنهاور»، الذي رأى أن الوجود مجرّد عبث، لا هدف أو فائدة ترتجى منه، والإنسان فيه لا يمكن أن يكون سعيداً، لأنه مُستلب، ومحكوم بالموت في حياةٍ، أفضل ما يمكنه فعله حيالها:
«أن يعوّد نفسه على أن هذا العالم سجن، نوعٌ من المستعمرة العقابية.. إن عوّد نفسه على ذلك، سوف ينظّم توقّعاته تبعاً لها، ويتوقف عن النظر إلى كلّ حوادثها البشعة»..
إنه ما رغبَ «شوبنهاور» بأن يتعوّد عليه كلّ إنسانٍ، دون أن يحتاج القارئ الجدير بصحبته:
«لن يحتاج إلى كلماتٍ منّي، تذكّره بما عليه أن يتحمّله في الحاضر إذا كان يملك روحاً فوق الشائع، أو إذا كان شخصاً ذا عبقرية، فسوف يشعر أحياناً، أنه يشبه سجيناً نبيلاً حُكِم عليه بالعمل في تجذيف السفن مع المجرمين العاديين، وسوف يفعل مثله ويعزل نفسه»..
