الثورة – ديب علي حسن:
لم يشغل كتاب عربي الغرب كما شغلهم كتاب النبي لجبران خليل جبران الذي صدر في مطلع القرن العشرين الماضي, وتحديداً عام 1923م واليوم تحتفي الأوساط العالمية بهذا الكتاب المهم جداً على الرغم من صغر حجمه, لكنه حمل عصارة الحياة روحاً وفكراً وقدرة على التشخيص والاستشراف للقادم.
إنها روحانية الحكمة التي يجب أن تبقى ماثلة امام الجميع عن هذا الكتاب ومرور قرن على صدوره كانت كريستين حبيب قد كتبت:
(السنة الثالثة والعشرين من القرن المنصرم، وتحديداً في الشهر التاسع من تلك السنة، طوى جبران خليل جبران مخطوطة «النبي» وأرسلها إلى الطباعة. منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، لم تتوقف دور النشر حول العالم عن طباعة نُسَخ جديدة من الكتاب. تُرجم من الإنجليزيّة إلى أكثر من 100 لغة، بيعَ ما يفوق الـ110 ملايين نسخة منه، وهو ما زال يحتلّ المرتبة الثالثة مبيعاً حول العالم.
بلغ الكتاب – الأسطورة عامه المئة، وفي المناسبة تجول أنشطة عدّة دولاً عربيّة وغربيّة احتفالاً بهذه المئويّة، كمؤتمرات ومعارض تتنقّل بين نيويورك وبلغاريا والشارقة وبيروت، لكن الاحتفاء بـ«نبيّ» جبران لا يقتصر على الذكرى المئوية فحسب، فعلى مدى سنوات طويلة، شكّل العمل الأدبيّ الفلسفيّ مصدر وحي لعدد كبير من الفنانين، من كافة المجالات والجنسيات.
استلهام:
وعن صدى الكتاب لدى المفكرين والمبدعين وكيف تم استلهامه يروي الفنان أسامة الرحباني أنّ عمّه عاصي ووالده منصور، أتمّا قراءة مؤلّفات جبران قبل بلوغهما المراهقة. كان من الطبيعيّ إذاً أن يُخلَّد الأدب «الجبرانيّ» في الفنّ «الرحبانيّ». يتابع المؤلّف والمنتج الموسيقي اللبناني: «بدأ اهتمام الأخوين بتلحين (النبي) في أواخر الستينيات، وكان المشروع الأساسي أن يجري تحويل الكتاب إلى حلقة تلفزيونيّة مغنّاة»، لكنّ القرار النهائي رسا على اختيار مقاطع من «النبي» بالتعاون مع الشاعر سعيد عقل، فكان الاعتماد على النسخة التي عرّبها عالم اللاهوت والأديب أنطونيوس بشير.
قُدمت النسخة الأولى من «المحبّة» ضمن مهرجانات الأرز عام 1969، وفق ما يخبر أسامة الرحباني. اقتصرت الأغنية حينذاك على مقطع «المحبة لا تعطي إلا ذاتها…». ليس سوى بعد سنتين، حتى توسّع العمل إلى ما هو عليه من مُغنّاة «cantate» تتخطّى الـ11 دقيقة. غنّت السيدة فيروز «المحبة» للمرة الأولى بنسختها الحاليّة ضمن مسرحيّة «ناس من ورق» عام 1972. ومن الولايات المتحدة وصولاً إلى بيروت، دخلت «المحبة» قلوب الناس فصارت نشيد الأفراح والأحزان.
وترى كريتسن أن الاحتفاء بجبران خليل جبران وبإرثه الإبداعي تقليدٌ في البيت الرحبانيّ. فبعد انقضاء 33 عاماً على رائعة «المحبّة»، قرر أسامة الرحباني وضع جبران خليل جبران في مواجهة مع «النبيّ» الذي اخترعه. دمج في مسرحيّة «جبران والنبي»، التي عُرضت عام 2005 ضمن مهرجانات بيبلوس اللبنانية، روح «المصطفى» وفكرَه مع سيرة جبران غير التقليديّة.
عن تلك التجربة يقول الرحباني إنّ «أدقّ ما فيها كان تحويل البُعد الفلسفي إلى حركة ونار متّقدة على الخشبة». يسترجع تلك المغامرة التي كادت تسلبه النوم ووضعت صحّته على المحكّ أحياناً: «استغرق التحضير 6 أشهر تقريباً، وكان الوالد (منصور) الذي كتب النص فخوراً بي وقلقاً عليّ في الوقت ذاته. أمضيت ليالي طويلة في التلحين حتى بزوغ الفجر، وهو في غرفته يصغي».
بعد قراءة ترجمات كثيرة لـ«النبي»، بنى الرحباني ثنائيّة «أورفليس» ونيويورك، وبالتعاون مع أبيه وضع رؤيته على الورق، ولاحقاً على الخشبة: «ما فعلناه أننا عمدنا إلى أنسنة الكتاب؛ أي إننا حوّلنا الأفكار إلى بشر، كالزواج الذي صار عرساً حقيقياً على المسرح، و(أورفليس) المدينة المتخيّلة التي اخترعنا لها مختاراً وأهلاً فعليين».
كانت سنةً دامية في لبنان تلك التي عُرضت خلالها مسرحيّة «جبران والنبي»؛ اغتيالات وتفجيرات متنقّلة، لكنّ سحر قلعة بيبلوس والموقع الأثري المطلّ على الميناء والذي اختير لعرض المسرحيّة، نقل الناس مؤقّتاً إلى عالم آخر. أبحروا على سفينة «المصطفى» التي توّجت المشهديّة في بحر جبيل.
عالمي:
لم يقتصر التأثّر بـ«النبي» على الرحابنة، بل امتدّ أبعد من الحدود اللبنانية ومسقط رأس جبران. كثيرون هم الفنانون الذين ألهمهم الكتاب في مسرحيّاتهم وأغانيهم ولوحاتهم الراقصة. من بين هؤلاء، الممثلة المكسيكية من أصل لبناني سلمى حايك، التي أنتجت عام 2014 فيلم رسوم متحرّكة مقتبساً من «النبي» ويحمل عنوانه. ويروي الفيلم قصة «المصطفى» والطفلة «المترة» التي تُنقذ مؤلفاته ولوحاته من بطش العسكر. أما أحداث الفيلم فتدور في لبنان خلال حقبة الإمبراطورية العثمانية.
تعاونت حايك إخراجاً مع أحد أهم الأسماء في عالم الرسوم المتحرّكة، رودجر ألرز، الذي أخرج «Beauty & the Beast» (الجميلة والوحش)، و«Lion King» (الأسد الملك). أما هي فقد منحت صوتها لشخصية «كاميلا» والدة «المترة».
ترويجاً لفيلمها الذي وصفته بالغالي على قلبها، زارت حايك وطنها الأمّ لبنان، وجالت في بلدة بشرّي، مسقط رأس جبران حيث متحفه الذي يضمّ العدد الأكبر من أعماله. قالت حايك حينها إنّ «النبي» يذكّرها بجدّها اللبناني الذي توفّي عندما كانت في الـ6 من العمر، والذي كان يحتفظ بالكتاب على الطاولة قرب سريره.
تضيف حايك: «كنت في الـ18 من عمري يوم عثرت على الكتاب في مكسيكو، وعلى غلافه صورة رجلٍ عددته جدّي. أما حين قرأت الكتاب، فشعرت بأنّ جدّي المتوفّى يعلّمني عن الحياة من خلال السطور». تلك المعاني الشخصية التي يجسّدها «النبي» بالنسبة إلى حايك، جعلتها تتّخذ قراراً بنقله إلى السينما.
من الفنانين والمشاهير مَن ألهمَه «النبي» فنياً، ومنهم من جعلوا منه زوّادة إنسانية وروحيّة. من بين هؤلاء المغنّي الأميركي إلفيس بريسلي الذي قرأ «النبي» عشرات المرات، إلى أن حفظه. كان أسطورة «الروك آند رول» يقدّم نسخاً إلى أصدقائه، ويقرأ مقاطع من الكتاب بصوت مرتفع لوالدته.
يذكر باركر أن بريسلي كان مُدركاً لحتميّة موته القريب، وكان لديه فضول لمعرفة المزيد عن الموت، وهذا ما قد يفسّر تعلّقه بـ«النبي». ومن بين الملاحظات التي خطّها على الكتاب، مستوحياً منه: «لديك في داخلك كل الإمكانات للإجابة عن الأسئلة التي تُثقل قلبك. سيمنحك الله المعرفة فقط إذا طلبتها».
ومن بين الفنانين الذين تأثّروا بجبران واقتبسوا كلامه غناءً، مغنّي فريق الـ«بيتلز» جون لينون.
وعن هذا الكتاب يقول الدكتور ثروت عكاشة.. كتاب «النبى» بصفحاته المحدودة هو الصورة المكتملة لجبران، ضم الكتاب خمساً وعشرين موعظة ابتدأها بموعظة المحبة وأنهاها بموعظة الوداع، وهى تعبر عن آرائه في الحياة عن طريق معالجته للعلاقات الإنسانية التي تربط الإنسان بالإنسان. لقد خلق جبران رجلًا دعاه (المصطفى) وجعل روحه نيرة إلى حد أن سامعيه كانوا يخاطبونه (يا نبى الله). ومن خلال سيرة جبران وحياته نستطيع أن نقول: إن المصطفى هو القناع الذي اتخذه جبران لكى يعبر من خلاله عن أفكاره وأشواقه.)
قبسات من كتاب النبي:
( أولادكم ليسوا لكم, أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها, بكم يأتون إلى العالم وليس منكم ومع أنهم يعيشون معكم فإنهم ليسوا ملكاً لكم.
– “أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم.
– فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية, فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى.
– لذل, فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة.
لأنه, كما يحب السهم الذي يطير من قوسه, هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه”
“ولكن عهد النوم قد انقضى، والحلم قد مضى، ولسنا الآن عند بزوغ الفجر؛ لأن الظهيرة فوق رؤوسنا، ويقظتنا قد تحولت إلى نهارٍ كامل، فيجدُر بنا أن نفترق”
“إنك تُصلين في ضيقتكِ وفي حاجتك، ولكن حبذا لو أنكِ تصلين في كمال فرحكِ ووفرة خيراتك”
“وإذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه”
إذا أعطيت فإنك تعطي القليل مما تملك، ولكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك، لأنك بذلك تعطي من ثروتك ليس إلا، أليست الثروة مادة فانية تخزنها وتحافظ عليها خوفاً من أن تحتاج لها في الغد؟؟ والغد ماذا يستطيع أن يقدم للكلب البالغ الفطنة والذكاء الفطري الذي يطمر العظام في الرمال تحسباً لحاجته لها غداً، أوليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها، أوليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ لها مليئة هو العطش الذي لا تروى غلته؟
ما أكثر ما سمعتكم تتحدثون عمن أذنب من بينكم وكأنه ليس منكم، بل غريب عنكم دخيل على دنياكم.
أما أنا فأقول لكم إن التقي والصالح لا يمكنه أن يتسامى على أرفع ما يكون فى نفس كل منكم… كذلك الفاسق والمتخاذل لا يمكنه أن يهبط دون ما هو فيكم أيضاً.
وكما أن ورقة الشجره لا تصفر إلا بعلم كامن من الشجره كلها.. كذلك الآثم لا يأتى الخطيئه إلا بإراده مستتره منكم جميعاً.
كأنكم معاً تسيرون فى موكب تنشدون ذاتكم النورانية.. ذلك أنكم السبيل وأنتم أيضاً سالكوه… ولئن سقط أحدكم سقط من أجل من يسيرون خلفه، فيكون نذيراً لهم يجنبهم حجر العثرة…
أجل إنه يسقط أيضاً من أجل من تقدموه.. أولئك الذين لم يطرحوا حجر العثرة، وإن كانوا أشد منه سرعةً وأثبت قدماً
“لأن الحياة هي التي تعطي للحياة في حين أنَّك-وأنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك -لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك”.
من الناس من يعطون القليل من الكثير الذي عندهم، وهم يعطونه لأجل الشهرة، ورغبتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم.
ومنهم من يملكون قليلاً ويعطونه بأسره.
ومنهم المؤمنون بالحياة وبسخاء الحياة، هؤلاء لا تفرغ صناديقهم وخزائنهم ممتلئة أبداً).
إنه جبران خليل جبران الفنان والشاعر والصوفي والمفكر , الذي استطاع أن يكسر برودة الفكر في الغربة, واستلهم روحانية الشرق من الوطن العربي إلى الهند, وأعاد صياغة ذلك بما يمكن القول عنه (إنه تراث عالمي جديد, بقلم بل بحبر نوراني).