“كركوظ وعواظ”.. ضحكة من زمن المقاهي

الثورة – حسين روماني:

بين أروقة معرض دمشق الدولي لهذا العام، تلمع زاوية صغيرة تحمل قيمة كبيرة.. جناح متواضع بخشب ملون وستارة قماشية، إذ يقف وسام الماوردي، شاب دمشقي في بداية العقد الثالث من عمره، يعيد إلى الذاكرة حكايات أجدادنا عبر فن كاد يندثر وهو “كركوز وعواظ”.

يقول وسام: إن شغفه بالمسرح الشعبي لم يولد صدفة، فهو ينحدر من عائلة توارثت حب هذه المهنة، وكان جده الأكبر “أبو فاضل الماوردي” من أوائل الحكواتيين الذين طافوا بالمقاهي الدمشقية مطلع القرن العشرين.

في بيتهم الصغير بَقيت قطع خشبية من الدمى القديمة، ورثها وسام كأنها أمانة، وحملها اليوم ليعرضها أمام زوار المعرض من كل أنحاء العالم.

ذاكرة المقاهي الدمشقية

كركوز وعيواظ ليسا مجرد دميتين تتحركان خلف ستارة، إنهما جزء من وجدان المدينة. دخل هذا الفن إلى الشام مع العهد العثماني، لكن الدمشقيين أعادوا تشكيله بروحهم الخاصة، فأصبح فناً شعبياً حقيقياً، في مقاهي دمشق القديمة، من مقهى النوفرة قرب الجامع الأموي إلى مقاهي باب توما، كان الناس يجتمعون مساءً ليستمعوا إلى الحكايات ويضحكون على المشاهد الساخرة التي تنتقد المجتمع بلغة بسيطة قريبة من القلب.

كان الأطفال يصفقون ويتابعون بانبهار، فيما يبتسم الكبار ضاحكين من التلميحات الذكية التي يمررها اللاعبون بين السطور. وبهذا، لم يكن كركوز وعواظ مسرحاً للصغار وحدهم، بل كان فضاءً نقدياً للكبار أيضاً، يفتح النقاش بمرح ويخفف من أعباء الحياة اليومية.

اندثار تدريجي

لكن مع تغير الزمن وظهور السينما ثم التلفاز، بدأ حضور كركوز وعيواظ يتراجع، اختفت معظم المسارح الصغيرة من المقاهي، وتحوّلت الدمى إلى ذكرى يرويها الكبار لأحفادهم. ومع ذلك، ظل هذا الفن رمزاً من رموز الهوية الدمشقية، وصار مجرد ذكر اسمي الشخصيتين كفيلاً باستحضار ذاكرة جماعية مليئة بالضحك والدفء.

وسام الماوردي، الذي درس الهندسة المعلوماتية، اختار أن يقدم ما يحب من فن الدمى، يرى أن العودة إلى كركوز وعواظ ليست حنيناً رومانسياً فقط، بل حاجة ثقافية ملحة. يقول: “في زمن السرعة والشاشات، نحن بحاجة إلى ما يعيد الناس إلى الجلوس معاً، يضحكون ويتناقشون وجهاً لوجه، كركوز وعواظ يفعلان ذلك ببساطة وعمق في آن واحد.”

المعرض كمنصة للذاكرة

وجود جناح كركوز وعواظ في معرض دمشق الدولي اليوم له معنى أبعد من مجرد عرض تراثي، فالمعرض الذي يجمع شركات صناعية وتجارية من مختلف الدول، يتيح أيضاً مساحة للتعريف بوجه دمشق الثقافي، والزائر الذي يمر بجناح وسام لن يرى مجرد دمى تتحرك، بل سيرى تاريخ مدينة بأكملها.

الأطفال الذين يتجمعون أمام الستارة لا يختلفون كثيراً عن أولئك الذين جلسوا قبل مئة عام في مقاهي النوفرة أو مدحت باشا. يضحكون على المفارقات البسيطة، بينما يتلقى الكبار الرسائل المبطنة حول قضايا المجتمع بلغة ساخرة خفيفة. وهكذا يعود الفن إلى وظيفته الأولى: أن يكون مرآة الناس وصوتهم.

إرث حيّ للمستقبل

يؤكد وسام أن مشروعه لا يقتصر على المعرض فقط، فهو يخطط لتأسيس ورشات عمل لتعليم الأطفال كيفية صناعة الدمى وتحريكها، بهدف نقل المهارة إلى الجيل الجديد، “هذا الفن وُلد في المقاهي، لكنه يمكن أن يعيش في المدارس والمراكز الثقافية أيضاً. إذا لم نورثه الآن، سنفقد جزءاً من ذاكرتنا”، يقول بثقة.

الجمهور يتفاعل بإعجاب

كثيرون يلتقطون الصور ويصورون مقاطع فيديو، وكأنهم يريدون توثيق لحظة استثنائية، لحظة عودة شخصيات الطفولة والذاكرة الجماعية إلى مسرح الحياة.

إن حضور كركوز وعواظ في معرض دمشق الدولي اليوم يذكّر العالم أن سوريا ليست فقط بلد حضارات قديمة أو صراعات حديثة، بل أيضاً بلد فنون شعبية نابضة بالحياة. هذا الفن البسيط يقدّم درساً عميقاً، الثقافة لا تُقاس بحجم الإنتاج ولا بحداثة الأدوات، بل بقدرتها على جمع الناس حول ضحكة مشتركة وحكاية صادقة.

في نهاية العرض، حين يسدل وسام الستارة ويصفق الجمهور، يدرك الجميع أن دمشق استطاعت أن تمنح التاريخ فرصة جديدة ليعيش في الحاضر. وكأن كركوز وعواظ، بعد طول غياب، عادا ليقولا بصوت واحد: “ما زلنا هنا، نروي ونضحك، ونمثل للكبار قبل الصغار.”

آخر الأخبار
ترميم العقارات المخالفة في حلب.. بين التسهيل والضبط العمراني عودة البريد إلى ريف حلب.. استعادة الخدمات وتكريس التحول الرقمي فك الحظر عن تصدير التكنولوجيا سيُنشّط الطيران والاتصالات من ميادين الإنقاذ إلى ساحات المعرض.. الدفاع المدني السوري يحاكي العالم ذبح الجمال أمام الرئيس الشرع.. قراءة في البعد الثقافي والسياسي لاستقبال حماة من دمشق إلى السويداء.. طريق أوحد يوصل إلى قلب الوطن  خطوة مفصلية نحو المستقبل.. تشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" لتعزيز المصالحة وبناء دولة القا... معرض دمشق الدولي يفتح نوافذ تسويقية للمنتجات السورية تسويق المنتج الوطني عبر سوق البيع في "دمشق الدولي" حمص تستقبل رئيس الجمهورية..   الشرع يطلق مشاريع استثمارية كبرى لدفع عجلة الاقتصاد المحلي  العفو الدولية: لا مستقبل لسوريا دون كشف مصير المختفين وتحقيق العدالة فيدان: إسرائيل لا تريد دولة سورية قوية.. ونرفض سياساتها التخريبية .. إقبال لافت على الشركات الغذائية السعودية في معرض دمشق الدولي الدفاع المدني.. حاضرون في كل لحظة وزير المالية: مستقبل مشرق بانتظار الصناعة والقطاع المصرفي مع انفتاح التقنيات الأميركية د. عبد القادر الحصرية: فرص الوصول للتكنولوجيا الأميركية يدعم القطاع المالي ندوة الاقتصاد الرقمي بمعرض دمشق.. تعزيز فرص العمل من دمشق إلى السويداء... مساعدات تؤكد حضور الدولة وسعيها لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار الشبكة السورية: الغارات الإسرائيلية على جبل المانع انتهاك للقانون الدولي وتهديد للمدنيين في معرض دمشق الدولي .. الحضور الأردني بقوة  بعد الغياب واتفاقيات تجارية مبدئية