الثورة- عمار النعمة :
من منّا لم يتابع الإذاعة وسحرها؟ من منّا لم يستمع إلى برامج الدراما الإذاعية وجمالها الذي كان ينبض داخل بيوتنا وحاراتنا وسياراتنا منذ عشرات السنين.
مع تطور الفن الإذاعي احتلت الدراما الإذاعية المراتب الأولى كعمل فني متكامل وملتزم، وصارت الأقرب إلى قلب المستمع وذهنه، فعاش معها لحظات مؤثرة وممتعة بنفس الوقت لأنها تجسد الواقع بكل تفاصيله.
والأهم أن تلك التمثيلية الإذاعية التي بدأت مع انطلاق بث إذاعة “دمشق”، بقيت محافظةً على حضورها متحديةً الظروف والتطور التكنولوجي الهائل بل زادت ألقاً في سني الحرب الظالمة على سورية .
هذا الفن الممتع يتيح للمتلقي الاستمتاع ورسم صورة تخيلية جميلة متميزة تنفرد بها الإذاعة عبر التاريخ، صحيح أن المسلسلات الإذاعية لم تعد بنفس القوة حالياً مقارنة بالوقت الذي كانت تتواجد فيه من قبل، إلا أن هناك نجومًا حتى اللحظة يحرصون على تقديم مسلسلات إذاعية ويجعلون المستمعين ينجذبون إلى هذا الفن.
ترتبط نشأة الدراما الإذاعية السورية مع تأسيس إذاعة دمشق، فظهرت أولى الأعمال الإذاعية على يد الإعلامي الراحل ممتاز الركابي الذي استعان بخليط من المذيعين والفنانين الشباب والهواة لتنفيذ تمثيليات الدراما الإذاعية في سورية.
ولايمكننا الحديث عن الدراما الإذاعية دون التطرق إلى حكمت محسن الذي اعتبر رائد فن الدراما في سـورية، حيث شارك وهو يافع في عروض فرقة أمين عطا الله المصرية في دمشق ولبنان، ثم قام مع أصدقائه بتشكيل فرقة تمثيلية، بدأت بتقديم عروضها في بعـض البيوت الدمشـقية الكبيرة… لكن المرحلة الأهم في مسيرته الفنية بدأت مع افتتاح الإذاعة السورية، حيث كان من أوائل العاملين فيها، وبدأ بتقديم تمثيليات إذاعية كان يكتبها ويخرجها ويمثل فيها، وكانت تعالج القضايا الاجتماعية بأسلوب شعبي قريب من عامة الناس.
واشتهر بالشخصية الشعبية “أبو رشدي” وقدَّم مجموعة من البرامج الإذاعية، منها أبو رشدي وبيت للآجار وياآخد القرد على مالو ومرايا الشام، وكتب مسلسلات إذاعية مستوحاة من حياة البسطاء، وشارك في جميع أعماله كممثل أو كضيف شرف.
في سنة 1954، قدم سهرة إذاعية بعنوان “يا مستعجل وقف لقلّك” أخرجها تيسير السعدي، وكتب بعدها عدة تمثيليات إذاعية منها الخياطة والسندباد وثورة شعب ومذكّرات حرامي ومرايا الشّام ونهاية سكير.
وكانت آخر كتاباته حلقة واحدة من تمثيلية مأوى العجزة التي لم يتمكن من إكمالها بسبب اشتداد المرض عليه قبل وفاته.
وحسب الكثير من الفنانين الإذاعيين أن الإذاعة عالم خاص، وأن الإبداع هو بأنَّ تجعل من الصوت صورة كاملة، وليس كل فنان قادراً على القيام بهذه المهمة، فالاختلاف بين التلفزيون والراديو، أن الأول يكون التعبير عبر الصوت والصورة، أما الثاني فمن خلال الصوت وهذا يترتب على الممثل إيصال المشهد إلى المستمعين بجهود مضاعفة.
وهنا نسأل : الدراما الإذاعية التي قدمت خلال مسيرتها أعمالاً لا تزال تعيش في الذاكرة أين هي اليوم؟ ماهو مستوى النصوص المقدمة والدعم المقدم لها لطالما رأينا بأعيننا لهفة الممثلين الإذاعيين على العمل وحبهم لهذه المهنة ؟!
هل سمعنا منذ سنوات عن مبادرة جديدة حول هذا الفن الثقافي والراقي والخلاق؟ وهل أصبحت الدراما الإذاعية في مهب النسيان أمام سطوة التكنولوجيا الحديثة؟
هذه الأسئلة وغيرها من الصعوبات تتطلب العمل الدؤوب والتعاضد من أجل تنمية حضور الإذاعة والمحافظة على ثباتها ولتكون الدراما الإذاعية رافدًا ثقافياً واجتماعياً وفنيًا من خلال دعم النصوص والممثلين والمخرجين.
الحديث عن الإذاعة وممثليها واجب علينا، وربما عيد الإذاعة بالأمس القريب وتكريم الفنانين الكبار الذي حدث من قبل نقابة الفنانين والذين معظمهم لعبوا دوراً أساسياً في الدراما الإذاعية أعادنا إلى ذلك الزمن الجميل، وإلى هؤلاء الذين نكبر بعطائهم .. فهل نحن مقصرون؟ سؤال يحتاج إلى إجابات ومعالجات … فهل نفعل؟