في عالم اليوم المترابط عبر تقنياته في الاتصالات، والإعلام، تواجه الثقافات المحلية، والإقليمية خطراً متزايداً على هويتها، وتراثها.
هذه الظاهرة المعقدة التي تنمو تدريجياً لتؤدي في المحصلة إلى فقدان المجتمعات لقيمها، وهويتها المحلية هي “الاستلاب الثقافي” هذا الذي يتشكل من مجموعة عوامل مترابطة تؤثر على هوية الشعوب، وتراثها، وتعمل على تقليص، أو إزالة التفرد الثقافي، وإحلال ثقافة أجنبية محله تتبنى نمط حياة، وقيم مادية استهلاكية تتعارض مع النظام الأخلاقي، والقيمي لمجتمع ما فتؤدي به إلى ضعف الترابط الاجتماعي، وانحسار اللغة الأم نتيجة هيمنة اللغات الأخرى، وانتشار استخدامها في مختلف مناحي الحياة، لتبدأ اللغة الأم في التراجع والاندثار، وهذا بدوره يؤثر سلباً على قدرة الأفراد على التواصل، وتوارث المعارف والمهارات بين الأجيال، مما يقود إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وضياع الخصوصية الثقافية.
والعولمة، وما تبعها من سيطرة اقتصادية، وإعلامية للقوى العالمية الكبرى تعد من أبرز أسباب الاستلاب الثقافي، فالشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الإعلامية الضخمة تروِّج بهمة ونشاط لأنماط الاستهلاك المتعددة، وللقيم الثقافية الغربية على حساب الثقافات الأخرى، هذا بالإضافة إلى تأثير السياسات الاستعمارية السابقة والحالية لبعض الدول القوية على الدول النامية. والتبعية الاقتصادية هذه إنما تؤدي إلى هيمنة المنتجات، والخدمات الثقافية الأجنبية، وبالتالي إلى خلل في الميزان التجاري والاقتصادي المحلي، وضعف القدرة التنافسية للمنتج الوطني.
وها نحن نشهد نتيجة لذلك جملة من الظواهر تتجلى تراجعاً ملحوظاً في استخدام اللغات المحلية، وانتشار الأنماط الثقافية الأجنبية في الموسيقا، والأزياء، والأطعمة، والعادات الاجتماعية.. كما يتزايد الاغتراب الثقافي لدى فئة الشباب ممن يتبنون هويات ثقافية وافدة ومستوردة على حساب هويتهم الأصلية لتتآكل القيم الأخلاقية، مما ينذر بفقدان الذاكرة التاريخية للمجتمع، وضياع الإرث الحضاري الذي يعكس هويته، وتطوره عبر الزمن.
إلا أنه في خضم هذه السلبيات المدمرة، تظل المجتمعات العربية التي تتصف بالترابط الاجتماعي قادرة على الاستيقاظ، والتصدي بحزم لموجات الاستلاب الثقافي عند تعزيز الوعي، وتبني سياسات حماية فعّالة للهوية المحلية مع تحقيق التوازن مع الثقافات الأخرى بآنٍ معاً.
ولعل من أهم سياسات الحماية هي تنمية الإبداع، والابتكار من خلال تشجيع الأفراد على استحداث أشكال ثقافية جديدة، وابتكارات قائمة على الهوية، وتتلاءم مع التراث الثقافي من جهة، ومع متطلبات العصر من جهة أخرى، وهذا بدوره يحقق ميزة تنافسية في السوق العالمية.
تساهم التغيرات الاجتماعية في تراجع الثقافات عموماً، فمع تغير أنماط الحياة، تُصبح بعض العادات والتقاليد غير مناسبة للعصر، مما يؤدي إلى تراجعها، ومن المؤكد أن جهل المرء بثقافته الأصلية يسهم في تراجعها، فمع عدم معرفة الأفراد لتاريخهم، وثقافتهم، يُصبحون عرضة للتأثر بالثقافات الأخرى عوضاً عن الاستفادة من تقنيات الاتصال الحديثة لنشر المحتوى الثقافي المحلي عالمياً.
إن تمكين الأفراد من فهم مرتكزات هويتهم الثقافية، وامتلاك الأدوات الفكرية، والمعرفية اللازمة لمواجهة مخاطر الاستلاب الثقافي يعزز المناعة الثقافية للمجتمع، ويحميه من الاختراق، ويشكل درعاً واقياً لهذه المجتمعات في مواجهة تحديات الاستلاب، والحفاظ على هويتها الأصيلة.
أجيال جديدة تولد حائرة بين الانتماء والاستلاب، بين الحفاظ على قيم مجتمعاتهم الأصلية وتقاليدها، وبين الانبهار، والانجذاب نحو نمط الحياة الغربية وقيمها المنتشرة عبر وسائل الإعلام، والإنترنت، فلا هم يشعرون بالانتماء الكامل إلى مجتمعهم الأصلي، ولا إلى المجتمع الذي يتأثرون به.. بل محاصرون، أو تائهون بين عالمين، وفي بحث دائم للعثور على هوية واضحة.
في ظل الصراعات والحروب يغدو الشعور بالانتماء القومي، والهوية الثقافية أكثر وضوحاً نتيجة الأحداث والتي تتفاقم معها المخاطر، والتحديات، ويغدو ما هو من الأصول والجذور أكثر قبولاً عند الناس متجاوزين في كثير من الأحيان ما تأثروا به وانبهروا من النماذج والثقافات الأجنبية.. إلا أننا لا نريد للحروب أن تكون سبباً لتعزيز الوعي، وتصحيح الهوية الوطنية، والانتماء.