لم تعد تجارة الكتاب تجارة رابحة في منطقتنا منذ عقدين على الأقل، نتيجة لحالة الانصهار الكامل مع فورة تكنولوجية غير موجودة أصلاً بشكلها الحقيقي في منطقتنا، في الوقت الذي بقي فيه مخترعو هذه التكنولوجيا ومنفذوها على الكتاب الورقي والجريدة الورقية، هذا الأمر يقع على مستوى يمكن القول فيه إنه مستوى الربح المادي بالنقود، أما على مستوى البشر والعقول والاستثمار بالموارد البشرية -وهو حكماً الاستثمار الفائز على مدى قرون- فلا يمكن أن يتم دون الكتاب شأنه في ذلك شأن الاستثمار في التربية والتعليم ومراكمة المهارات والخبرات.
بالأمس أُزيل المكان الأخير الذي يقدر فيه المواطن على استحصال كتاب معتدل القيمة أو رخيص السعر، فهي كتب مستعملة قرأها من قرأها ومررها لغيره بأسعار رمزية تحت وطأة الحاجة ليشتريها كذلك من لم تمكّنه الحاجة من شراء الجديد الذي بات أصلاً نادراً في منطقتنا، ما يعني أن هذه الناحية الحياتية السعرية الثقافية البنائية العقلية والتي تكوِّن معادلة قائمة في بلادنا منذ أيام اللوح الطيني والنقوش المسمارية عليه، يعني أنها لم تعد قائمة اليوم، فمن أين يستطيع مثقف أو صحفي أو كاتب أو باحث أو دارس أو أي شخص أن يشتري كتاباً قيّماً بسعر معتدل يقل حكماً عن سعر سندويشة رخيصة من المحلات التي تقدم الغذاء غير مضمون النظافة؟
كان يمكن التعامل بطريقة أخرى عبر إيجاد الأمكنة اللازمة لنقلهم ضمن العاصمة لا خارجها، والإعلان عن ذلك بشكل واضح وصريح، حرصاً على مصدر رزق هؤلاء البشر الذين يعتاشون من بيع الكتب المستعملة، وحرصاً على مصالح من يقصدهم من طلاب الجامعة والدارسين إلى من هم أعلى سوية علمية وثقافية، ومن ثم نقل كتبهم بوجودهم وتحت إشرافهم إلى أمكنتها الجديدة لتستمر دورة العلم والثقافة والرزق دون قطعها..
هي صفحة طويت ولم يعد من وجود لورثة الوراقين في دمشق، وإن لم يكونوا في دمشق فذلك معناه بأنهم غير موجودين في سورية أصلاً، أي أنها صفحة وطويت وانتهت واستقر الكتاب على كُره منه ضمن توليفة موجودات الرفاهية والبريستيج والتي يحرص الكثير من فارغي الرؤوس على استكمال بريستيج مكتبهم أو صالوناتهم بها، أي أن المثقف السوري بات تحت رحمة النقود ولم يعد ثمّة مكان يقدم له الكتاب بالسعر المنطقي أو الرخيص..
بعبارة أخرى طاب ذكركم يا ورّاقي الأرصفة.

السابق