أعتقد أننا نعاني من مشكلة حقيقية في الثقافة المعرفية في وعينا وفهمنا للأشياء سواء أكان ذلك فيما نراه عدواً أو ما تعلق في ثقافتنا وسلوكنا الاجتماعي ودوائرنا الضيقة فعلى سبيل المثال هل نستطيع أن نميز معرفياً بين اليهود والإسرائيليين والعبرانيين والصهاينة.
هل نستطيع أن نميز بدقة بين الكاثوليكي والبروتستانتي والأرثوذكسي؟
هل نعرف كثيراً عن الثقافة الأميركية والفرنسية؟
هل نعرف تاريخنا بوصفنا عرباً أو حتى مسلمين، وهل نعرف معرفة كافية وعميقة ما تعلق بالمذاهب الإسلامية دون استثناء لأي منها أم إن ثقافتنا في هذه المجالات سطحية، وهي انطباعات أكثر مما هي معرفة علمية وموضوعية ؟
إذن لنعترف أن لدينا مشكلة في الثقافة المعرفية العميقة بحيث لا يتشكل لدينا وعي حقيقي عن الآخر بل وعي ضدي بمواجهته ما يؤدي بنا إلى إشكاليات لا تحمد عقباها وبنية احتقارية تجاهه، فنحن إذن بحاجة ماسة للبحث والتعمق في كثير من الأشياء ونعيد النظر بمفاهيمنا وتصوراتنا تجاه العالم المحيط بنا !! ومثال على ذلك قبل عدة عقود كان الحديث عن القضايا الدينية والمذاهب أمر طبيعي ومع تغير الظروف والأوضاع والصراعات السياسية والاصطفافات المنبثقة عنها أصبح الحديث حولها يثير الأعصاب والتشنج والتوتر في نفوس الكثيرين في هذه الجهة أو تلك ؟ لذلك من المهم أن ننظر للأشياء بطريقة موضوعية ودون تصورات وانطباعات مسبقة حتى لا يقال عن الأمة العربية إنها أمة عاطفية يقودها الشارع، وتقودها العواطف، ويغيب دور المثقف والفاعل والمؤثر في تشكيل الوعي وفي الرأي العام ذلك الذي يستطيع قول الحقيقة بغض النظر عن موقف ورأي الشارع الشعبوي، وبالتالي نتحدث بموضوعية عن كل القضايا مهما كانت حساسيتها وملامستها لمشاعرعامة الناس، وهنا نقول هل نستطيع أن نتحدث عن اليهود أو إسرائيل بموضوعية، وكذلك عن انتماءاتنا الدينية والمذهبية والسياسية بموضوعية هل نستطيع التحدث بجرأة عن ثقافتنا الاجتماعية وموروثنا الثقافي والقيمي وننقده بشدة أم إن ما قاله أبو حيان التوحيدي ما زال يسكن عقولنا: إلى متى نقول في أفواهنا ما ليس في قلوبنا إلى متى ندعي الصدق والكذب شعارنا ودثارنا إلى متى تستظل بشجرة تقلص عنا ظلها إلى متى نخفي ثلاثة أرباع حقيقتنا حتى نبدو كالآخرين ؟؟
المهم هنا أنه لدينا آلية تفكير وذهنية تحتاج إلى تغيير، ولدينا ثقافة تعميمية عمياء، وعلى سبيل المثال نغضب من شخص أو نكرهه نتيجة لتعامله الفردي معنا، فنقوم بتعميم الصورة، فمثلاً أحدنا يكون في مطار ومسافر فيتعرض لأسئلة قد يستفز من خلالها فيعمم الصورة السلبية على كل أبناء البلد أو يقوم بشراء سلعة من مكان ما فيشعر أنه وقع ضحية الغش فتعمم الصورة على كل أبناء بلدته أو بلده، وهكذا دواليك وهذه الثقافة الحدية أو الصفرية مشكلة حقيقية تحتاج إلى مراجعة عميقة وهادئة حتى لا نأخذ الكبير بالصغير ونقع في دائرة التعميم الظالم للحقيقة والمنطق وقديماً قالت العرب: فإذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا.
لذلك من المهم إجراء عملية نقد عميق لهذا النوع من التفكير لأن هناك من استغل سلوكنا الخاطئ والسطحي والتعميمي وخلق لنا المشاكل التي وظفت ضدنا بوصفنا أفراداً ومجتمعات ما ساهم في تشكيل صورة انطباعية سلبية ونمطية عن دولنا ومجتمعاتنا في أماكن كثيرة من العالم وحتى في بيئاتنا الخاصة، والتحدي هنا هو علينا أن نستيقظ، ونعي ونفكر بطريقة أفضل، ونراجع مراجعة نقدية تصوراتنا ورؤيتنا لذاتنا وللعالم وللأشياء، وهذا دور وتحد للنخب ولصناع الرأي العام ومعتلي المنابر.