في زحمة الاتصالات والتواصلات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية – وخاصة بعد أن تحوّلت صحفنا المطبوعة إلى مواقع إلكترونية لتُضاف إلى مئات المواقع الأخرى وآلاف الصفحات المتعددة الأغراض .. إعلامياً واقتصادياً ومؤسسيّاً وعلمياً .. فضلاً عن تلك الصفراء وتطبيقات البنوك والاتجاه نحو الدفع الإلكتروني والشمول المالي، والبطاقات الإلكترونية المختلفة .. وما إلى ذلك – فإن مجتمعنا يجد نفسه متدرّجاً بتصاعد الحاجة الماسّة للاتصالات ولخدمات الإنترنت، ومع هذا التصاعد المتدرّج نرى تصاعداً موازياً وعلى نحوِ أسرع لتكاليف الاتصالات وأجورها وفواتيرها، وطبعاً لا نمتلك شيئاً سوى الانصياع لدفع تلك التكاليف المفروضة والتي تبدو غير عادلة على الإطلاق، أو القبول بقطع الاتصالات التي لم يعد بالإمكان التخلي عنها ولاسيما بعد عمليات التشبيك تلك المتعددة بين المستخدمين وجملة الخدمات والمصالح الحكومية وغير الحكومية التي صارت واقعاً قائماً لا بد منه، ولا يمكن الاستغناء عنه.
أمام هذا الواقع الجديد المفروض على الناس كان من الأجدى (بوزارة الاتصالات وتقاتة المعلومات) والسورية للاتصالات، أن يجدا خطاً تصاعدياً ثالثاً يختص بجودة الخدمة، كي يقتنع العقل ويجد مبرراً موضوعياً لفرض الخدمة والفواتير الجائرة، ولكن الذي يجري فعلاً هو العكس تماماً، فخدمة الاتصالات والدخول على شبكة الإنترنت تمشي من سوءٍ إلى أسوأ وتأخذ مساراً تراجعياً هابطاً، ولا تعرف شيئاً من الجودة سوى بعض حالات الترويج الاستفزازي الذي لا نفع منه.
حديثنا اليوم بهذا المنحى – والذي يعرفه الكثيرون – ناجم عن مكابدة ابتليتُ بها من انقطاعات طويلة في بوابة الإنترنت، وبعد محاولات مريرة مع مركز الهاتف المعني استمرت لنحو ثلاثة أشهر على تلك الحالة دون فائدة، وكان الجواب دائماً بأن المشكلة تتعلق بالكابلات التي تحتاج إلى تبديل، ونظراً لعدم الثقة بهذه المزاعم تقدمنا بشكوى على الرقم (100) المخصص لهذه الأمور فتم إصلاح البوابة بشكل جيد بعد يومين.
اليوم عادت المشكلة ذاتها، انقطاع شبه مستمر للشبكة، لجأتُ مباشرة إلى كنف الرقم (100) ولكنني لم أستطع تسجيل شكوى لأن أحداً لا يرد سوى المجيب الآلي، الذي يتحدث بداية عن صدور فاتورة الهاتف الأرضي، وتفاصيل عن مهلة الدفع تحاشياً لانقطاع الخدمة خلال فترة محددة، رغم أن الفاتورة التي يجري الحديث عنها مدفوعة ..! .. ثم يخبرنا ذلك المجيب الآلي بأن هذه المكالمة مسجلة لأسباب تتعلّق بالجودة، ومن شدة الجودة – على ما يبدو – يضعون لنا معزوفة موسيقية تطربنا بتقاسيمها على مدى دقيقتين أوثلاث ثم يُغلق الخط بلا أي ردٍّ بشري.
حتى الآن لم نستطع اقتحام ذلك الجدار الموسيقي بعد أسبوعٍ من المحاولات، وفي كل محاولة يؤكد لنا المجيب الآلي بلا وجل أن المكالمة مسجلة لأسبابٍ تتعلق بالجودة، وما دامت السورية للاتصالات هي إحدى بنات وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات فيبدو أنها منشغلة إلى حد كبير بتقليد أمها بمثل هذه التعابير المتناقضة مع الواقع، فالوزارة لم تكتفِ بكلمة الاتصالات فأضافت التقانة والمعلومات، والسورية للاتصالات لم تكتفِ بأن المكالمة مسجلة، فهي مصرة بأن ذلك لأسباب تتعلق بالجودة .. وفي الحقيقة لا تقانة ولا معلومات ولا جودة ولا اتصالات حقيقية، فكلها مجرد تعابير فارغة تشير إلى عقدة نقص عند الأم وابنتها إذ تريدان إفهامنا بأنهما مثال التقانة والجودة، ولكننا – مع الأسف – لن نفهم ذلك طبعاً حتى نرى تلك العبارات مجسّدة بعيداً عن الخيال والأوهام الفارغة من هذه المعاني التي تُرمى في وجهنا عبثاً وبلا طائل.

السابق
التالي