فراس علاوي كاتب وصحفي سوري
شهدت سوريا منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحولات عميقة على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية.
العنف المتزايد والإجرام الذي استخدمته سلطة آل الأسد إضافة لطول فترة سيطرتهم على الحكم، كل ذلك تسبب ببروز نوع من الدعوات لقطيعةٍ جذرية مع الماضي تزايدت مع طول أمد الثورة السورية ونشوء جيل كامل خلالها اكتسب ثقافته من بيئة الثورة المعادية لكل ما هو آت من السلطة، سواء في بنيته السياسية أو الرمزية، باعتبار هذا الآت مهما كان شكله سياسياً ثقافياً اجتماعياً، مسؤولًا عن الأزمات المتراكمة. هذا التراكم تسبب بنوع من المغالاة في هذا الاتجاه، والتي قد تحمل مخاطر لا تقلّ عن مخاطر الجمود في الماضي نفسه.
القطيعة مع التاريخ:
هناك تجارب عديدة عن القطيعة مع الماضي، السبب الرئيس فيها هو طبيعة العداء مع المنتج الذي أفرزته السلطات حينها، من الثورة الفرنسية التي قطعت صلتها بكل ما هو منتج للملكية لكنها احتفظت بما هو ذو صبغة فرنسية عامة، كذلك التحولات في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
في الحالة السورية، فإن اعتبار كل ما هو آت من التاريخ الحديث مرتبط بنظام البعث والحقبة الأسدية تسبب بنوع من الدعوات إلى القطيعة من عقود من الاستبداد السياسي، حيث ارتبطت الدولة ومؤسساتها بسلطةٍ قمعية أدت إلى تهميش المجتمع وتحجيم الحريات.
بناءً على ذلك، ينادي البعض بإعادة تأسيس الدولة من نقطة الصفر، عبر تجاوز كامل للموروث السياسي والمؤسساتي وحتى الثقافي والاجتماعي.
من هنا يمكن السؤال هل من الممكن تحقيق قطيعة تامة مع الماضي؟ أو هل من الممكن اجتثاث كل ما يمثل حقبة تاريخية في مرحلة ما بعد الاستقلال؟
تاريخياً، لم تشهد أي دولة انهيارًا مطلقًا لما سبق، بل إن التغيير غالبًا ما يكون تراكميًا.
حتى في أكثر التحولات، والثورات راديكالية، كما في روسيا 1917 أو إيران 1979، استمرت بعض الهياكل السابقة خاصة الثقافية والاجتماعية والمدنية منها، في التأثير على النظام الجديد، سواء عبر المؤسسات أو النخب أو حتى الأنماط الثقافية والاجتماعية.
تعتبر الحالة العراقية نموذجاً آخر للقطيعة خاصة السياسية والتي تسببت فيها عمليات الاجتثاث إلى عملية إرباك مجتمعي، والحديث عن الاجتثاث هنا لا يعني(تفكيك نظم سياسية معينة أو أحزاب أو حتى أجسام سياسية) وإنما عملية محو لفترات تاريخية سابقة لمرحلة الاستبداد بدعوى ارتباطها بها.
مخاطر المغالاة في القطيعة مع التاريخ
إن التصور القائم على رفض الماضي برمّته يحمل تحديات عدة:
1_عدم الاستفادة من التجارب التاريخية السابقة:
حيث تؤدي القطيعة مع أي منتج من حقبة سابقة إلى تكرار الأخطاء نفسها بدلًا من التعلم منها، كما يساهم في إضعاف القدرة على بناء استقرار مستدام.
2_تفكيك البنية المؤسسية (غير الأمنية) دون وجود بنى مؤسسية جاهزة سيؤدي لتراجع التحول المنتظر:
فإن أي تحول جذري يجب أن يترافق مع وجود بدائل عملية قابلة للتنفيذ. تفكيك الدولة دون خطة واضحة قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني يفتح المجال للفوضى.
3_توظيف القطيعة من منظور سياسيً:
وبالتالي محاولة وصم أي شخص أو كيان أو ثقافة بأنها قادمة من فترة الاستبداد، قد تتسبب باستغلال خطاب القطيعة، من قبل قوى سياسية معينة لتبرير إقصاء الخصوم.
ماذا نحتاج لقراءة التاريخ؟
بدلًا من تبني خطاب القطيعة المطلقة أو الدفاع الأعمى عن الماضي، فإنه يمكننا اعتماد مقاربة نقدية تحافظ على المكتسبات المفيدة وتصحح الأخطاء. فالدولة السورية، رغم سيطرة السلطة عليها لعدة عقود من الزمن، إلا أنها ما قبل الحقبة الأسدية امتلكت في أوقات عديدة كياناً إدارياً وسياسياً من الممكن الاستفادة من تجاربه لا إلغاؤه بالكامل مثال ( مرحلة المؤسسين الأوائل للدولة، مرحلة رجالات الاستقلال، دساتير مرحلة الاستقلال مثل دستور 1950). كما أن تاريخ سوريا لا يقتصر على مرحلة الاستبداد، بل يمتد إلى تجارب دستورية وبرلمانية منذ الاستقلال.
بالنهاية
فإن بناء مستقبل سوري ديمقراطي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لا يتطلب قطيعة جذرية مع كل ما سبق، بل يحتاج إلى مراجعة نقدية يتمكن من خلالها السوريون من الاستفادة من دروس الماضي، دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج الأخطاء. فالتاريخ ليس مجرد سجلّ يجب محوه، بل هو مصدر للتعلم والتطوير، والقطيعة الحقيقية لا تكون مع الزمن، بل مع ممارسات الاستبداد والاستغلال السياسي.