تلعب مراكز الأبحاث والدراسات دوراً كبيراً في عملية التنمية وتطوير الأداء في مؤسسات الدولة، من خلال ما تقدمه من أفكار ورؤى وحلول للعديد من القضايا والتحديات التي تواجه الحكومات والدول بشكل عام، وذلك من خلال ما تمتلكه من طاقات عقلية نوعية متخصصة في كافة المجالات، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم تربوية وإعلامية وغيرها، ونظراً لأهمية تلك المراكز البحثية الاستراتيجية تخصص لها العديد من دول العالم مبالغ كبيرة في موازناتها السنوية وتقدم لها مختلف المساعدات وتوفر لها كل أسباب النجاح والأهم من ذلك أنها تتعامل مع ما تقدمه وتنتجه من دراسات وتحليلات بدرجة عالية من الأهمية وتدمجها وتتبناها في خططها السنوية وتتبناها كرؤى استراتيجية داعمة ذات جدوى.
وبالنظر لما تقدمه تلك المراكز من دراسات وأبحاث مستقبلية مجدية فمن الأهمية بمكان الاهتمام بما تخلص إليه من إنتاج فكري ثقافي واقتصادي وكذلك ما يتعلق باتجاهات الرأي العام وطبيعة ومستوى التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات في عالم أصبح التغير والتبدل والتجدد والإبداع سمة أساسية من سماته بحكم التطور الهائل في وسائل التقانة والمعرفة وسرعة انتشار الأفكار والسلع والأشخاص بشكل غير مسبوق ما يستدعي امتلاك أدوات المعرفة ومواكبة كل ما هو جديد من أجل الاستمرار في دائرة الفعل الحضاري القادر على التكيف والتفاعل والتعامل مع كل ما هو جديد.
إن استثمار العقل الوطني والرأسمال الاجتماعي والموارد والطاقات الوطنية بكل أشكالها أصبح ضرورة وحاجة لا بد منها وتحدياً حقيقياً يواجه كل الحكومات والمؤسسات ويستوجب التعامل معه بدرجة عالية من المسؤولية الوطنية والأخلاقية بوصفه حاجة ماسة وثروة حقيقية تساهم بشكل كبير في عملية التنمية وتمنح فرصاً حقيقية لنهضة شاملة ولا سيما أن بلادنا تمر بظروف صعبة وقاسية بفعل ما تعرضت له من عدوان خارجي استهدف الإنسان السوري المبدع والمؤسسة الوطنية قبل أي شيء آخر لقناعته بأن تدمير الكتلة الحيوية السورية تعني سقوط النواة الصلبة التي تتأسس عليها الدولة والمجتمع على حد سواء.
لقد امتلكت سورية وأنجزت وبنت ركائز أساسية لدولة حديثة فاعلة لا منفعلة منتجة لا مستهلكة وكل ذلك بأيدٍ وطاقات وطنية تربت وتعلمت وتأهلت في مؤسسات سورية سواء كانت الجامعات أم المعاهد والمدارس وغيرها من مؤسسات البناء أو عبر ما شيدته من صروح اقتصادية وعلمية وما أنفقته على مشاريع زراعية وصناعية وخدمية وبنية تحتية وغيرها شكل بمجمله شبكة أمان وأمن على المستويين العام والخاص قائم على توازن معقول بين الضرورات الأمنية وحقوق المواطن تحكمها ظروف البلد أحياناً بتقديرات معينة قد تكون بين أخذ ورد يضاف إلى ذلك كله أن سورية الدولة والمؤسسات كانت صناعة وطنية بامتياز، كان لأبنائها اليد البيضاء حيثما حلوا وفي كل البلدان لأنهم نتاج حضارة عريقة تنتسب وتفخر بعروبتها وإنسانيتها.
إن أي بلد من بلدان العالم لا يبنيه ويحميه ويحفظ كرامته إلا أبناؤه المخلصون الغيورون على مصالح بلدهم لا تحكمهم أطماع أو نزوات أو أجندات معينة ولعل ما قدمه الشعب العربي السوري وقواته المسلحة من تضحيات دفاعاً عن سورية الأرض والشعب والهوية والانتماء كافٍ ليجعل منه النموذج الذي يمكن الاعتماد عليه لإعادة بناء ما تدمر على قاعدة الاستقرار الاجتماعي والتوافق الوطني القائم على فكرة أن سورية دولة لكل أبنائها وليست بحاجة إلى تعريف لهويتها بوصفها ترتكز على فكرة العدالة والمواطنة والأمن والأمان والكرامة والقرار الوطني المستقل والسيادة الكاملة على كل شبر من أرضها وحدودها التاريخية المعروفة.
د.خلف علي المفتاح
التاريخ: الأثنين 12-11-2018
رقم العدد : 16834