قبل أكثر من عقدين من الزمن أطلقت مؤسسة (ديزني) الترفيهية فيلماً كرتونياً عن قصة (علاء الدين) وفانوسه السحري، وها هي اليوم تحول النسخة ذاتها من الفيلم إلى نسخة حية لتطلقها من جديد في الألفية الثالثة.
ذلك الفيلم الشهير الذي احتوت أغانيه على عبارات تسيء للعرب، والذي جاب العالم آنذاك، وحصل على شهرة عريضة فاقت ملايين الدولارات التي حصدها، انتشرت رسومه، ورموز شخصياته بين أيدي كل الأطفال حتى في أبعد مكان.
عالم (ديزني) مهما امتد تاريخه فلن يطول أكثر من قرن.. وهو ابن هذا العصر الذي لم يشحن بالخيال بمقدار ما شحن بتفوق المادة، وتطور التكنولوجيا، وتفوق الآلة الحديثة.. لكن عالم (علاء الدين) ومصباحه السحري ظل غارقاً في ظلام القرون، لم تمتد الأيدي إليه إلا نادراً حتى جاءت شركات (ديزني) فأخرجته من الأعماق لتبهر به الدنيا.. وإذا بالفيلم الذي خرج إلى العالم من أروقة هوليود ويحمل اسم (علاء الدين) يتحول إلى عصا سحرية، وقصة حب أسطورية، زحف لرؤيته ملايين المشاهدين.
فهل كان مصباح (علاء الدين) هو السحر الحقيقي لهذه الشركة الأمريكية الضخمة التي خرج منها هذا الفيلم المارد، ونثر أمامها ملايين القطع النقدية إلى جانب الجوائز الفضية، والذهبية، وربما الماسية أيضاً؟
لكننا بحسرة نقول إننا نحن العرب أصحاب هذا المصباح السحري لماذا لم نقم نحن بإطلاقه، وننفق عليه الملايين ليشهد لنا العالم بأننا ملكنا من تراثنا أروع خيال بشري، وأكثر القصص سحراً، وتشويقاً للصغار والكبار على مدى الأجيال؟؟.. ولو فعلنا لكنا على الأقل قد وفرنا على أنفسنا هذا التعريف الذي وصمونا به في أول الفيلم بأن (علاء الدين) قد جاء من بلاد البرابرة الذين يقطعون الآذان، وأن هذه ليلة عربية كما لو أن (الصنعة الأمريكية) هي التي جعلتها ساحرة.. مع أن الأمر ليس كذلك، لأن الفيلم مهما بلغ من الروعة فهو لا يصل إلى آفاق الخيال المجنح الذي يلامس النجوم، وخرج منه (علاء الدين) على بساطه السحري باحثاً عن الخير، والسعادة، ليس لنفسه فقط وإنما للناس جميعاً.
قصة الفيلم معروفة جداً وهي أن الطفل الطافح بالخير أي (علاء الدين) الفقير، التائه يعثر على مصباح صدئ، وقديم يكاد يرميه بعيداً لعدم نفعه لولا أن تدفعه قناعته لكي يحتضنه، ويلامسه بحنان فإذا بالمارد الجبار المحبوس فيه لآلاف السنين يخرج ليضع نفسه تحت تصرف (علاء الدين) ملبياً له طلباته، ومقدماً له من الأعاجيب، وألوان السحر ما لم يكن وارداً آنذاك حتى في الخيال كبساط الريح مثلاً.
وهنا نجد أن الفيلم تحكّم بالقصة الأصلية إن لم نقل طورها، وغيّر في أحداثها، ووضعها في مسار خاص مما يلائم عقلية الطفولة المعاصرة في عالم متحضر.. وفي الواقع نستطيع القول إن القصة كانت مستمدة من علاء الدين والمصباح السحري، وليست هي بالتحديد.
فهل كان هذا لصالح القصة؟ وهل كان سحر الحكاية كحكاية يعادل في تألقه، وبريقه سحر الفيلم؟.. نقول إنه لولا هذه الموسيقا المتفوقة.. وهذه التكنولوجيا الباهرة.. وكل هذه الجهود الإخراجية، والإنتاجية للفيلم لما وقفنا أمامه هذه الوقفة من الدهشة.. إلا أن الخيال كان في الفيلم مقصوص الجناحين إذ إن الشخصيات لم تكن تملك شفافية الشرق، ولا عمق نظرته إلى قيم الخير، والحب، والجمال، ولم يكن اللعب على أوتار ما هو خارق، وعجيب بالمفاجأة الصاعقة التي يمكن أن يواجهها المشاهد أثناء القصة.
أيهما فاق الآخر إذن.. القصة أم الفيلم؟.. عندما نعثر في القصص العالمية على قصة مثل قصة (علاء الدين والمصباح السحري) نقرؤها، ونستمتع بها مطلقين لأخيلتنا العنان لنتصور كما نشاء، ونرسم كما نشاء.. ولكن هذا شيء، وأن تكون أمام فيلم سينمائي فهو شيء آخر.
مع كل هذا فالفيلم يظل يحمل طرافته، لكنه يظل في الوقت ذاته مديناً لقصة (علاء الدين) التي نبعت من صحارى الشرق، ولياليه المجنحة المقمرة، ومن أسرار المفاجآت فيه.
أما الفيلم في نسخته الأولى، ونحن لا نعرف بعد ماذا سيحمل لنا في نسخته الثانية أكثر من استبعاد تلك العبارات المسيئة، أقول إنه لم يستطع أن يظهر بريق المصباح السحري وهو يتمطى عن المارد بجوهرته المتلألئة كما تتمطى الأحلام لتصنع أشكالاً، وخيالاتٍ لها بريق الواقع، ولها كثافته، وجماله أيضاً.. وها نحن ننتظر ماذا سيتمطى عنه مارد هوليود وديزني وهو يصحو من جديد في النسخة الثانية من القصة الأسطورة التي تكثف فيها سحر الشرق، وروعته.
لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 29-3-2019
الرقم: 16943