يفترض أن من مهام وسائل الإعلام إيصال الحقيقة للجمهور واحترام وعيه وقناعاته سواء أكان ذلك على الصعيد السياسي أم الاقتصادي أم غيره لأن في ذلك احتراماً للرسالة الإعلامية وللجمهور المستهدف ويؤسس ذلك لعلاقة إيجابية بين الجمهور والوسيلة الإعلامية تقوم على الثقة التي تشكل أساساً متيناً لحالة تفاعلية بين طرفيها وإلى جانب ذلك أي المحتوى تبدو مسألة تقديم بعض الأشخاص عبر الشاشات بوصفهم أصحاب فكر ورؤية وملاءة في كيفية معينة قضية فيها نظر لأن مثل هؤلاء الذين يطلون على الجمهور عبر الشاشة لا يكفيهم ما يغدق عليهم من صفات من قبيل المفكر الاستراتيجي والمحلل السياسي لجهة إيهام المشاهد بملاءتهم الفكرية والسياسية والعلمية عبر إسباغ تلك الصفات على شخوصهم، حيث يكتشف المتابع لمثل هؤلاء ضحالة مخزونهم الفكري والسياسي ما يجعله يحجم عن متابعة هكذا وسائل إعلامية مسيرة.
إن محاولة إبراز هكذا طحالب عبر وسائل الإعلام تحت عناوين براقة وإعطائهم مساحات واسعة في البرامج التلفزيونية والإذاعية واستضافتهم في كل المناسبات على سطحية ما يقدمونه يجعل المتابع الحصيف يصاب بالدهشة من الهدف المرجو من ذلك أهو غسيل للأشخاص أم غسيل للمواقف وما الجهة التي تحاول أن تسوق مثل هؤلاء بين جمهور يعرف الغث من الثمين في فضاء إعلامي عابر لكل الحدود ولعل استمرار ممارسة هكذا أداء إعلامي فاشل هو مسار خاطئ وخسارة محققة بكل المعاني وشكل من أشكال العبثية إلى جانب أنه يعكس قصوراً في الرؤيا واستخفاف في عقول الجمهور وتسطيح للأمور وتجاهل للحقيقة والأخطر من ذلك هو سعي لما يمكن تسميته غسيلاً للأشخاص لجهة إسباغ هالة واهمة عليهم.
لقد أصبح العالم فضاء إعلامياً واحداً مفتوحاً سقطت فيه كل الحدود الجغرافية والمعرفية وتشابكت وتلاقحت فيه الأفكار والثقافات ولم يعد بوسع أحد قلب الحقائق وتضليل الرأي العام مهما امتلك من وسائل خداع وكذب أو تصدير وتسويق مفاهيم خاطئة من هنا تأتي أهمية المراجعة النقدية لدور وسائل الإعلام والحرص على نظافة رسالتها ودورها ومهنيتها خاصة في هكذا ظروف يمر بها عالمنا وتتكالب فيه قوى الشر والعدوان على مجتمعاتنا وشعوبنا متبعة كل الوسائل بما فيها التقانة الخبيثة وأبرزها وسائل الإعلام ومنظوماته القوية مستغلة نقاط ضعف وسائل الإعلام الوطنية لتتسلل منها إلى الجمهور الفاقد للثقة بوسائل إعلامه وتمطره بسيل من الأكاذيب وأشكال الخداع المبرمج وتقانة الزيف العميق وتقوم بأشبه ما يكون بعملية تنويم مغناطيسي جماعي ما يفقده إمكانية التمييز بين الحقيقة ونقيضها ويصبح أسير روايتها الكاذبة من خلال الضخ الإعلامي الممنهج والمبرمج.
إن ربح الجمهور واستمالته لإعلامه الوطني مسألة غاية في الأهمية، وهذه مسألة ممكنة التحقق عبر التقيد بما تمت الإشارة إليه من مهنية ومصداقية وموضوعية وسرعة في نقل الخبر وملامسة حقيقية لقضايا الجمهور ووضعه بصورة الواقع عبر استضافة نخب حقيقية وفاعله تمتلك خطاباً مقنعاً ومعلومة صحيحة وقادرة على التأثير في الرأي العام وإقناعه ومن ثم تحصينه من كل مؤثر خارجي لا تنفيره وإحباطه عبر إعادة إنتاج يائس لعناوين وأشخاص استهلكها الزمن وأصبحت في ذاكرة الجمهور المستهدف من ركام الماضي.
إضاءات- د. خلف المفتاح