إضاءات ـ لينــــــا كيـــــــــلاني
التحليل التنبؤي في عصر المعلومات يجعلك قادراً على أن تصبح غنياً من ورائه إذا ما أحسنت استخدام خوارزمياته.. أما منصة (كاغل) وهي الإبنة المدللة للعم (غوغل) التي تجمع إليها علماء الذكاء الصناعي، ومهندسي البيانات، فهي بالتأكيد لن تجعلك غنياً فقط بل ومشهوراً أيضاً، وذلك باستخدام خوارزميات بعينها إذا ما أحسنت الدخول إليها، والاستفادة من إمكاناتها.. أما منتج هذه المنصة (كاغل) أو بالأصح شركتها التي هي من ورائها، وتملكها فهو يختلف كلياً عن أي منتج نعرفه وتعبّر عنه تسميته، فأول إنتاج هذه المنصة الذي طُرح في سوقها كان ببساطة عبارة عن مشكلات مختلفة تعترض شركات متنوعة الاختصاصات تحتاج حلولاً ناجعة لها.
وهنا يجد المتخصص مجالاً واسعاً أمامه لنشر أفضل ما لديه من حلول خوارزمية يقوم ببنائها لتجعله في موقع التنافس الذكي، والطريق إليها تبدأ بمسابقات تطرح أسئلة على المنصة، وتنتظر أجوبة تكون كافية، شافية.
ومثل هذه المنصات لا تكتفي بتلك المسابقات فقط بل إن اهتماماتها تتعدد فهي لا تقف عند الحلول الذكية للمشكلات إذ أنها تتعداها إلى الرؤى التنبؤية، والمستقبلية اعتماداً منها على حصادها الوفير من المعلومات التي تجمعها من خلال المواقع الإلكترونية، والتطبيقات العملية المستخدمة.. ومن بين تلك التنبؤات ما يخص نتائج المباريات الرياضية وغالباً ما تكون دقيقة، مما يساعد على تحسين النموذج للوصول إلى تنبؤ أكثر دقة، وبأقل هامش للخطأ.
وكذلك تنبؤات الصحة، والأمن العالميين، والبيئة، والجريمة أيضاً على أنواعها.. أجل الجريمة لا تستغربوا.. فالفكر السائد يعتقد أنه لو أمكن التنبؤ بالشيء لأمكن مكافحته، أو إيقافه.. ألا تتنبأ أجهزة الاستخبارات حول العالم بالحروب، وبالسلام، كما بظهور زعماء، وزوال رؤساء؟ وكيف لا تفعل ولديها ما يلزم من المعلومات التي هي أكثر التصاقاً بالجماعات، وبالأفراد، وبأحوالهم العامة، والشخصية في آن؟.
ثم ماذا فعل (نوستراداموس) المتنبئ الأشهر في التاريخ أكثر من أن نظم توقعاته، ونبوءاته على شكل رباعيات شعرية تنظر بعين المعرفة لما سيقع في المستقبل.. وللغرابة أن أغلب نبوءاته قد تحققت!.. وها هي منصة التنبؤات تحل في عصرنا المتقدم هذا محل (نوستراداموس) ليس في الكهانة، والعرافة، ونظم رباعيات تحتمل التأويلات بل بخوارزميات تعتمد منطق الأرقام، والرموز في تسلسلها، والقواسم المشتركة بينها، لتصل إلى توقعات غالباً ما تصيب مع هوامش قليلة للخطأ.
وإذا كانت هذه الحلول الرقمية تستهدف أخطاءً تقع بهدف العمل على إصلاحها وتجاوزها، أو منع وقوعها فلماذا لا يبحث القائمون عليها عن الأسباب المباشرة التي تولد الاستغلال، والجريمة، وتفسد البيئة ومناخ الأرض، وتعكر صفو الحياة الإنسانية للعمل على نفيها من أساسها قبل البحث الرقمي، وغير الرقمي، عن حلول لها؟.
أليس المرض، والجهل، والإهمال، والفقر، والتوزيع غير العادل للثروات، كما الحروب، وغيرها، سبباً مباشراً لما يحل من كوارث حتى أصبحوا يرصفون لها تلك الخوارزميات التنبؤية؟ إذن لماذا لا يقومون بنفي تلك الأسباب التي تؤدي إلى كل هذه الأمراض الاجتماعية، والبيئية، مادامت خدمات الرقمية تسعف بحلول علاجية؟ ثم أين تقع منظومة القيم، والأخلاق التي تصون وتحمي من احتمالات منظومة الخوارزميات التي لا تتقن سوى لغة الحساب؟.
إن سحابة (كاغل) ومنصتها هي (نوستراداموس) العصر الرقمي، التي من زبائنها موقع العم (غوغل) نفسه، إلى جانب جهات استخباراتية، وأخرى حكومية لا تتردد أبداً في أن تبيع إليهم مع توقعاتها المعلومات المفيدة، والإشارات الأكيدة التي يجمعها المحللون ليربطوا بينها، ويصلوا معها إلى استنتاجاتهم الذكية، ولتصبح توقعاتهم أقرب إلى التحقق منها إلى أن تذهب أدراج الرياح.
خوارزميات فائقة للحواسيب تأتي بأجوبة وافية للمشكلات، والمعضلات ولو كانت صعبة، أو مستعصية الحلول ستظل في الوقت نفسه مساحة للإبداع الإنساني، والابتكار، ولو أن البحث عن أسباب المشكلات، ونفيها قبل وقوعها يظل هو الحل الأجدى، والأمثل.