بمناسبة مرور الذكرى السنوية الرابعة والعشرين لرحيل الشاعر الدمشقي نزار قباني ، ومن خلال إستعادة حوار تلفزيوني أجري معه عام 1993، نلمس تحولات موقفه من المرأة الموديل، إلى المرأة المثقفة، حيث يصرح: (بأن مكياج المرأة يجب أن يكون ثقافياً )، وبأنه لم يعد يحتمل الجلوس مع أمرأة جميلة وغبية، وأضاف قائلاً: (لقد قاتلت من أجل المرأة خمسين عاماً، لكنها في عز المعركة تركتني، وذهبت إلى الكوافير).
ومن هذا المنطلق تبدو عبارة (كوني جميلة واصمتي) التي تبناها نزار في مراحله السابقة، غير مقبولة في مراحله الأخيرة، ولهذا فالمرأة التي دافع عنها في سنواته الأخيرة، كانت مطالبة بأن تدافع عن نفسها، وتثيرالجدل والمعارك الثقافية، حول مسائل إشكالية ووجودية ومعقدة وشائكة ومتفاقمة، ومن وجهة نظري المطابقة لموقف نزار قباني أقول: لم أقتنع يوماً بالعبارة القائلة (كوني جميلة واصمتي) وذلك لأن الكلمة المتقنة والشاعرية، حتى في حضرة ملكات الجمال، كانت ولا تزال هي الساحرة، مع قناعتنا المسبقة بأن الجمال لايتعارض مع الثقافة .
حتى إن الاختبار الثقافي، كان ولا يزال، من ضمن الشروط التي يجب أن تجتازها بنجاح، المتقدمة لمسابقة انتخاب ملكة جمال، ولهذا نجد أن (المكياج الثقافي) الذي يسبق عادة خطوات التتويج، والذي قلما يتحدث عنه أحد، لاينفصل عن (المكياج البصري) بقوته المعهودة والذي يصل إلى حدود الإبهار البصري .
ولا شك بأن المكياج الثقافي، ينسحب على كل سيدة وفتاة، لاسيما وأن هناك حد أدنى وهو ما يمكن تسميته بثقافة البديهيات، يجب أن تكون متوفرةً لدى المرأة، حتى تكون مقبولة في علاقاتها العامة، ومن غير المعقول أو المقبول أن تكون المرأة، وخاصة في هذا الزمن، بعيدة عما يجري من حروب وممارسات وصراعات، والمكياج الثقافي قد يتفرع حسب ثقافة واهتمام كل أمرأة، ولهذا فهي مطالبة بأن تهتم بمكياجها الثقافي، بقدر اهتمامها بمكياجها البصري، الذي يخضع لتبدلات الزمان والمكان، ولاسيما بعد أن دخل الطب التجميلي في هذا المجال .
فالمرأة مطالبة بالقراءة والمتابعة والاطلاع، حتى يتوافق مكياجها الثقافي، مع مكياجها البصري، وحتى لاتساهم في تكريس حالة الانقطاع التاريخي الطويل الذي أبعدها عن القيام بدورها في خدمة مجتمعها ووطنها، على كل الصعد والمستويات والتفرعات والتوجهات.
رؤية- أديب مخزوم