الأردن يدعم إنشاء تحالف مشابه لحلف شمال الأطلسي مشترطاً وضوح المهمة الموكلة إليه. الكيان الإسرائيلي يسابق الزمن ويهدد بتكرار الزحف إلى بيروت وصور وصيدا. في الخليج تعود نغمة تجميع “دول الاعتدال العربي” في محور يكون أكثر انفتاحاً على “التعاون” مع الكيان الإسرائيلي. وفي الولايات المتحدة يجري التحضير ليس فقط لزيارة جو بايدن إلى المنطقة لإعادة تشكيل الجبهة، بل لإقرار قانون في الكونغرس تحت اسم “ردع الأعداء وتعزيز الدفاعات” يقضي بدمج ما سمي بدفاعات المنطقة لمواجهة الاعتداءات الإيرانية المزعومة.
ولي العهد السعودي استكمل من جانبه التحضيرات بجولة علنية إلى الأردن، مصر، وتركيا، فيما غير العلني تجري اجتماعاته المكثفة في الأروقة العسكرية والاستخبارية وفي السفارات وغرف العمليات لوضع التصميم الجديد للعلاقات التي من شأنها أن تحدث تحولات كبرى في المنطقة وأن تغير قواعد اللعبة فيها على قاعدة أن “إسرائيل” ليست العدو بل الحليف.
لا شك أن لكل طرف من الأطراف المجتمعة إلى طاولة بايدن المرتقب انعقادها تموز المقبل أسبابه، غير أن الخطر الإيراني المزعوم يوحد هذه الأطراف على هدف واحد اشتغل عليه الإسرائيليون واستجاب له الحالمون من المطبعين ومن السائرين على دروب التطبيع بالانضمام إلى اتفاقات ابراهام، وبالتعبير عن الهرولة بالاستعداد للانضمام إلى الناتو الجديد.
بايدن المأزوم وحده ربما تكون مصلحته متعددة الأبعاد، فمن محاولة خدمة مصالح الكيان الإسرائيلي خلال فترته الرئاسية، إلى ضمان نتائج تحسن وضعه في انتخابات الكونغرس النصفية، إلى تحقيق اختراق بمسألة الطاقة لمواجهة روسيا من بعد حرب أوكرانيا وحروب التجارة والاقتصاد الجارية التي أسس لها سلفه دونالد ترامب.
وأما الأطراف الأخرى فلكل طرف أسبابه المتصلة بأزمته في الحكم وفي الداخل المضغوط اقتصادياً “الأردن ومصر أنموذجاً” تسولاً لمساعدات أو سيراً على خط استسلامي كان على الدوام السمة للسلف والخلف حيث لم يتخلف أحد هذه الأطراف يوماً عن طعن فلسطين والأمة، وسورية أولاً بصفتها المدافع رقم واحد عن قضية الأمة المركزية.
الناتو الجديد الخاص بالمنطقة الذي يحاكي حلف شمال الأطلسي هو بالتأكيد أحد ارتدادات الفشل في النيل من سورية ومحور المقاومة، وإذا كان يحمل عنوان المحاولة الأخيرة في الاستهداف كمشروع إسرائيلي أميركي، فإنه الاجترار لما كانت كونداليزا رايس قد بدأته يوم جمعت دول “الاعتدال العربي” ٢٠٠٦ ضد لبنان، ويوم حاولت واشنطن إنضاجه والاستثمار فيه ٢٠١١ ضد سورية، ومن قبل في ٢٠٠٩ ضد إيران، لكنه عاد بالخيبات دائماً على أطرافه.
الخيبات هي اليوم المبرر والمناسبة للعودة إلى إنشاء غرف العمليات بصيغة أخرى، تكون موسعة وأكثر إحكاماً وتذخيراً، غير أنها ستؤدي ربما هذه المرة إلى الانفجار الذي لا أحد يعلم مدى اتساع دائرة شظاياه ومؤدياته، ذلك أن خيبات الأمس واليوم أضيف لها عامل آخر آثاره تجتاح العالم وليس فقط المنطقة، فالحرب الأوكرانية تنتج اصطفافات وأزمات دولية عميقة ستكون العامل المرجح، ذلك إلى جانب ثبات وقوة ومبدئية القوى المستهدفة في خط المقاومة التي تبدو أكثر قوة وتكاملاً وجاهزية.