الثورة – حسين صقر:
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً بخبر ما يسمى “المصالحة” بين نقابة الفنانين ومغنيتين، وتعهدت خلال ذلك الأخيرتان بعدم التلفظ بكلمات نابية أثناء تأدية الحفلات، وتباينت وجهات النظر والتعليقات حول هذا النوع من الغناء وبعض ما يرد فيه من كلمات ومعان يراها البعض غير لائقة وتتخطى حدود الأدب وتؤثر على ذائقة الأجيال.
“المصالحة المباركة” أعادتني لقراءة مادة عن الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ خلال لقاء له مع أحد الصحفيين الذي سأله عن مغن شعبي في ذلك الوقت، وأجاب محفوظ بأنه لا يعرفه، وما كان من الصحفي إلا أنه نقل الكلام حرفياً لذلك المغني الشعبي والذي كان له أتباعه ومتابعوه، حيث ثارت ثورته، وقال للصحفي: قل لمحفوظ لينزل معي إلى الشارع، وأقف أنا على رصيف، وهو على الآخر، ولنرَ الناس على من سيسلمون ويلقون تحياتهم، وبمن سيبدون إعجابهم.
وبالفعل ذهب الصحفي وأخبر الكاتب الكبير بتلك الكلمات، وحينها رد عليه محفوظ: قل لمن يدعي الطرب، بأن ينزل هو وإحدى الراقصات، ويقف كل منهما على رصيف، ويرى بنفسه لمن سيأتي هؤلاء الناس، عندها سيعرف أنه كلما زاد الابتذال، زادت الجماهيرية في هذا الشأن، وأنا ككاتب لن أضع نفسي في هذا الموقف.
ونحن نقول: الكثير من الناس ومع كل أسف لا يبحثون عن الأدب بل عن عكسه، وهذه ليست مهمة الأديب والشاعر والفنان الحقيقي، بل هي مشكلة متجذرة منذ القدم.
المادة تذكرنا دائماً بما يجري في محيطنا، فقبل أيام توفي أحد الشعراء وقبل ذلك أحد الرسامين، وقبله روائي وقبله إعلامي وقبله وقبله، وبالكاد يمر خبر وفاة هؤلاء مرور الكرام، في الوقت الذي تضج فيه الأخبار عن وفاة أو تحرك أو ولادة وخطبة وحتى وفاة القابلة القانونية التي ولّدته، وجمهور المعزين، وكيف يتعاملون مع أفراد أسرته، خاصة إذا كانوا من نفس الوسط.
كثير من الأدباء والكتاب والباحثين، ومن له مساهمات كبيرة بالعلم والأدب والطب والكيمياء وغيرها من العلوم التقنية والتطبيقية، يعملون بصمت ويعيشون بصمت ويموتون أيضاً بصمت، ولا أحد يشعر بهم، وكأنهم على هامش هذه الحياة، مع أنهم بوصلتها الحقيقية، وبفضلهم وصلنا إلى هذه الدرجة من الرفاهية والسعادة والراحة، حتى بفضلهم استطاع أولئك المغنون أن يسمع بهم الجمهور ويتعرف على شخصياتهم وسلوكهم وممارساتهم ومنطوقهم وابتذالهم.
والسؤال، إلى متى سيبقى الناس متعلقون بالأوهام والتفاهات، ومتى يصحون من غفوتهم، ونحن لا ندعو لمجتمع مثالي، لكن إلى آخر تكون فيه الغلبة للعقل والمنطق، وكل ما من شأنه ترسيخ القيم والمثل العليا، والعودة إلى الأصل ورفض المعايب، والتمسك بكلمة” عيب” قبل أن يصدر عنا أي تصرف غير لائق، وليس إلى ما يدعو إلى الانحدار بالمجتمع، ولاسيما أن الوسائل المساعدة على جعله كذلك باتت أكثر من أن تعد أو تحصى.
و إلى متى يضيع الناس بين الأدب و”الطرب” والبحث عن السلوك الذهب، والذي كان الناس يعتدّون به ويتفاخرون؟!