حمص – سهيلة إسماعيل – ابتسام الحسن:
«روْحة رجعة» عبارة استفهامية بتنا نسمعها تتردد على ألسنة المواطنين متوجهين بها إلى سائقي السرافيس العاملة على خطوط النقل داخل مدينة حمص، وهي نتيجة طبيعية لأزمة النقل السائدة هذه الأيام في المحافظة والمحافظات الأخرى»ريفاً ومدينة»، والمقصود بالعبارة أن المواطن يصعد السرفيس قبل وصوله إلى نهاية مساره ليضمن العودة معه، ويدفع مقابل ذلك ضعف الأجر المتعارف عليه؛ أي 400 ليرة بدلاً من 200 ليرة، هذا عدا عن المعاناة الكبيرة والوقت الطويل على مواقف الباصات والسرافيس، معاناة باتت جزءاً من يوميات المواطن غير القادر على التنقل إلا في وسائل النقل العامة نظراً للارتفاع في أجور التكسي الكبير جداً.
يحدث كل ذلك ولم تستطع الجهات المعنية- حتى الآن- إيجاد حل لأزمة نقل لم نكن لنسمع بها من قبلُ.
معاناة كبيرة
أكد محمد .ا الموظف في إحدى الدوائر الحكومية الواقعة في مركز المدينة أنه ومنذ عشرة أيام عاد من دوامه سيراً على الأقدام إلى منزله في حي وادي الذهب «جنوب المدينة «مع مجموعة من الموظفين والموظفات بسبب عدم وجود سرافيس أو باصات تُقلهم إلى منازلهم، وتكرر الأمر في اليوم الثاني، وهم لم يقرروا المشي إلا بعد انتظار دام أكثر من نصف ساعة.
بينما قالت رنا وهي طالبة في جامعة البعث وتقطن في حي النزهة: إنها تعاني معاناة كبيرة عند الذهاب إلى دوامها في الجامعة وكذلك عند العودة بسبب قلة عدد السرافيس والباصات العاملة على الخط.
طالب آخر في جامعة البعث يقطن في حي الزهراء قال: إذا أراد أي مسؤول في حمص معرفة معاناة الطلاب والموظفين فما عليه سوى مراقبة واقع عمل الباصات والسرافيس في أوقات الذروة؛ أي في الصباح الباكر وبعد الظهيرة لأن باصات النقل الخاصة تعمل وفق مسارات محددة، وتخدم خطوط قليلة فإن الازدحام يتركز في أحياء معينة ضمن المدينة «وادي الذهب – الزهراء- الأرمن- العباسية- المهاجرين- حي السبيل وحي الورود.
كما أكد عدد آخر من المواطنين أن الأزمة مفتعلة نتيجة بيع بعض السائقين مخصصاتهم من مادة المازوت، إضافة إلى تعاقد آخرين مع المؤسسات والشركات الحكومية والمدارس أو رياض الأطفال من دون وجود موافقات نظامية من الجهات المعنية لذلك طالبوا بتوفير وسائل النقل والتشدد بمعاقبة المخالفين وحرمانهم من مخصصاتهم وفرض الغرامات المالية بحقهم لعل هذه الإجراءات تسهم في الحد من أزمة النقل الخانقة الموجودة على معظم خطوط المدينة.
السائقون يشتكون
لا تقتصر المعاناة الناتجة عن أزمة النقل على المواطنين، فالسائقون أيضاً لديهم معاناتهم الخاصة، والتي يعتبرونها لا تقل أهمية عن أهمية معاناة المواطنين، فهم لا يحصلون على مخصصاتهم من مادة المازوت إلا بشق النفس، ويتحملون مزاجية الركاب وشتائمهم، كما أنهم يتقاضون أجراً ممن يرغب بحجز مكان له قبل الوصول إلى نهاية الخط نزولاً عند رغبة المواطن نفسه وليس فرضاً من قبلهم، وهم يتحملون غلاء أجور الصيانة والإصلاح في حال تعطل السرفيس وارتفاع الرسوم السنوية وغلاء قطع التبديل وارتفاع سعر المازوت في السوق االسوداء، كما أن المخالفات تكون مجحفة من قبل شرطة المرور في أغلب الأحيان، ما يجعلهم يخسرون ويعانون معاناة جسدية ومادية في الوقت ذاته.
وقد أفاد أحد السائقين على خط السوق- النزهة أنه يدفع الآلاف كل شهر مقابل إصلاح وصيانة السرفيس.
النقل الداخلي: ما باليد حيلة!
وفي اتصالات سابقة أجريناها مع مدير شركة النقل الداخلي المهندس علي حسين قبل صدور قرار بإنهاء خدمته عرفنا من خلالها أن حال الشركة يقول: ما باليد حيلة لأن جميع محاولات إدارتها لحل الأزمة باءت بالفشل، لأن الباصات العائدة لها تعمل بوردية واحدة هذا من ناحية ومن ناحية ثانية، هناك نقص كبير في عدد السائقين، ولم تُحل هذه المشكلة بعد صدور نتائج المسابقة المركزية لأن عدد الناجحين 12 سائقاً فقط من أصل 218 سائقاً تحتاجهم الشركة على نحو فعلي، ولاسيما أنّ عدد الباصات الموجودة 115 باصاً.
الريف ليس أفضل حالاً..!!
تبدو مشكلة النقل بين المدينة والريف أكثر تعقيداً من خطوط المدينة، فعدا عن الانتظار الطويل للطلاب والموظفين للوصول إلى دوامهم في الوقت المحدد فإن السائقين يتحكمون بهم من خلال رفع الأجر من دون التقيد بتسعيرة مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك،إضافة إلى حشر أعداد كبيرة من الركاب تفوق السعة الفعلية للحافلة، وهم يبررون ذلك بأن مخصصاتهم من المازوت لا تكفي مايضطرهم لشراء الغالون الواحد سعة 20 ليتراً فقط بسعر 120 ألف ليرة.
ويشتكي معظم القاطنين في الريف من الطلاب والموظفين من تعقيدات الحصول على المازوت والوقت غيرالقصير الذي يستغرقه السرفيس للخروج من المحطة الشمالية أو الجنوبية، وكأن المواطن مسافر إلى محافظة أخرى، وليس إلى قرية تبعد بضعة كيلومترات عن مركز المدينة، واللافت في موضوع الريف أن أغلب الوحدات الإدارية تعاقدت مع باصات نقل داخلي، لكن الباصات لم تحل المشكلة، ويتم حشر الركاب فيها على نحو مزعج.
ونذكر هنا- على سبيل المثال لا الحصر- الباص العامل على خط حمص- القبو حيث يشهد ازدحاماً شديداً، ويضطر الركاب للوقوف كي يصلوا إلى قراهم، وهو يخدم أكثر من قرية يمر فيها،وهناك قرى لم يتم تخديمها بالباصات بذريعة بعدها عن مركز المدينة أو بذريعة عدم وجود باصات كافية، وربما يكون الخلل من رئيس الوحدة الإدارية.
لجان..هيئات..ومدراء خطوط
كانت محطتنا الأخيرة عند عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حمص المسؤول عن قطاع النقل بشار عبدالله حيث رد على أسئلتنا قائلاً: لم يتقدم أي مواطن بشكوى بحق سرفيس من أجل قضية «روحة رجعة»، لأنه في حال ورود أي شكوى نقوم بمعالجتها على الفور، لكن يبدو أن ثقافة الشكوى مازالت ضعيفة لدى المواطن!!.
وعن تأخير الحافلات في محطتي الانطلاق الشمالية والجنوبية،قال: أعدنا العمل بنظام البطاقة الكرتونية التي يتم توقيعها من قسم شرطة المرور في المحطتين المذكورتين، وبخصوص خطوط المدينة عقدنا اجتماعاً مع رؤساء الهيئات ووجه رئيس فرع المرور باتخاذ أقصى العقوبات بحق السرافيس المتسربة، ومن يثبت أنه يتصرف بكمية المازوت المخصصة له يتم اتخاذ الإجراء المناسب بحقه.
أما بما يتعلق بقلة حصة السرافيس من مادة المازوت، وتحكم القطاع الخاص بسعر المادة فقال: خفّضنا مؤخراً حصة سائقي السرافيس بنسبة 25%، وهذا الأمر ليس بيدنا، وإنما هي حصة مركزية، ولا نستطيع أن نتدخل نحن في هذا الأمر.
وعن مراقبة الخطوط وجدواها قال: يوجد في المحافظة لجنة اسمها «لجنة نقل الركاب»، وهي تضم 11 عضواً يمثلون كل الجهات التي لها علاقة بموضوع نقل الركاب كمجلس المدينة والمحافظة حيث يترأس اللجنة محافظ حمص وعضو من المكتب التنفيذي والهيئات وغيرها، وتجتمع كل يوم ثلاثاء لمناقشة واقع النقل في المدينة والريف، ومهمة اللجنة دراسة مشاكل الخطوط جميعها، والبت في الشكاوى في حال وجودها ونقل الآليات بين الخطوط أو تغيير مسارها، وتنظيمه عملية النقل والعمل على حل مشكلة الازدحام، أما مهمة رؤساء الهيئات الموجودين على كل خط فمهمتهم تزويد اللجنة بالمعلومات المطلوبة عن عمل الآليات وكل ما له علاقة بعملية النقل.
ورداً على سؤالنا عن قلة السرافيس على بعض الخطوط كخط حي ضاحية الوليد قال عبدالله: لا نقف في وجه كل من يريد العمل، وهناك قلة في عدد السرافيس.
ملاحظات لا بدّ منها
من خلال كل ما سبق نجد أنه لا يوجد حل قريب لمشكل النقل في حمص، وستبقى المعاناة لكل الأطراف موجودة، ولا سيما أن الجهات المعنية عاجزة عن إيجاد حل، وبانتظار تطبيق نظام الـ»Gps»لضبط تزويد السرافيس بمخصصاتها من مادة المازوت تكون المشكلة قد تفاقمت أكثر وأكثر، كما أن كثرة وتعدد الأطراف المسؤولة عن موضوع النقل لم يساهم في حلها أو التخفيف منها: «رئيس خط – رئيس هيئة – لجنة الحي – لجنة النقل …إلخ»، لا بل زادها تعقيداً، ولا ننسى أن الجهات المعنية لم تعمل لخلق أرضية مناسبة لتطبيق بنود ومواد قانون السير الذي يصب في صالح مالكي الحافلات، وينصفهم ما ساهم بزيادة معاناتهم، وتالياً تنعكس الأمور سلباً على المواطن المضطر يومياً للتنقل بين مكان عمله ومكان إقامته.
أخيراً، يُلاحظ في مدينة حمص أن الباصات والسرافيس تختفي عن معظم الخطوط في فترة بعد الظهيرة ما يجعل التنقل صعباً ومكلفاً بالنسبة إلى المواطن المجبر أحياناً للخروج من منزله سواءً لقضاء حاجة أو لأن ظروف عمله تستدعي التأخير، فهل من حلول في المدى القريب لكل ما أثرناه في موضوعنا هذا؟؟.