في إحدى ندوات أيام الفن التشكيلي، الشهر الماضي، تطرق الحديث – كالعادة – إلى علاقة النقد بالفن وبالجمهور. حيث يُحمّل النقد، في أكثر الحالات، أو الكتابات التي تُقدم بصفة الكتابات النقدية على وجه الدقة، مسؤولية اختلال العلاقة بين الفن التشكيلي و الجمهور، ومن غير الممكن نفي دور بعض الكتابات التي قدمت على أنها كتابات نقدية في ذلك، لكن هذا لا ينفي في الوقت ذاته مسؤولية المتلقي أيضاً، هناك وجهة نظر ترى أن النقد هو وسيط بين العمل الفني والمشاهد، إذ لا يمكن للنقد أن يواكب الإبداع – ولا أن يسبقه بطبيعة الحال لأنه في هذه الحالة يحد أفقه الإبداعي، والفنان الذي ينتظر أن يحدد له النقد ما عليه أن يعمله، هو فنان يشكو مشكلة حقيقية في وعيه الإبداعي. وعلى هذا يمكن إدراج بعض الملاحظات الأساسية في هذا الإطار، أولها: تتعلق بتراجع القراءة، ومهما كانت المبررات التي تساق لتبرير هذا التراجع فإن تلك التبريرات تؤكد تلك الحقيقة ولا تنفيها، وليس من المبالغة القول :إننا نفتقد وجود تقاليد للقراءة، وحتى على مستوى صحيفة يومية. وفي حوار غير بعيد بين اثنين من الوسط التشكيلي أبدى أحدهما رأياً في كتابات أحد النقاد، ولما سأله الثاني هل قرأت تلك الكتابات أجابه: “لا.. ولكن هذا ما سمعته من بعض الأصدقاء”، ومثل هذه الحادثة تتكرر باستمرار ونجد دائماً من يحكم على موضوع أو بحث لا من خلال قراءته له، وإنما من خلال ما سمعه عنه فقط.
الملاحظة الثانية تتعلق بالمستوى الثقافي، وخاصة الثقافة الفنية التي يفتقر إليها معظم الناس عندنا، ومنهم من هم من الوسط التشكيلي ذاته، ودون البحث الآن في أسباب هذا الفقر الثقافي فلابدّ من التأكيد أن ضعف الثقافة الفنية حيناً، وغيابها في أحيان كثيرة، يفقد العلاقة بين الجمهور والنقد أهم ركائزه. ويفتح المجال واسعاً أمام إعلان آراء غير موضوعية، وإطلاق أحكام متسرعة، وفي الوقت ذاته انتشار تلك الآراء والأحكام وتقبلها من قبل الجمهور، بل حتى تبنيها ومن ثم المجاهرة بها والدفاع عنها، وقد فرضت بعض الكتابات ذات الطابع الأدبي حول الفن التشكيلي على الجمهور وجهة نظرها الخاصة، وحرمته من تكوين رأيه المستقل، ولكن يجب الإشارة هنا إلى أن استعداد الجمهور أصلاً لذلك هو ما أتاح لتلك الكتابات القيام بالدور الذي قامت به.
الملاحظة الأخيرة، لا تنفصل كثيراً عن سابقتيها، وإن كانت تعود لما أعتقد أنه جذر المشكلة، وأعني بذلك المناهج الدراسية في المراحل الدراسية كافة، ولا يعود الأمر هنا مقتصراً على النقد التشكيلي وحده وإنما يطول النقد بمفهومه الشامل الذي يكاد يغيب كلياً عن مناهجنا الدراسية، فهذه المناهج تعتمد في الأغلب الأسلوب التلقيني وهو أسلوب يدفع الطالب باتجاه حفظ المعلومات وتخزينها في ذاكرته، من دون القدرة في أحيان كثيرة على مناقشتها، وربما حتى على استعادتها بشكل صحيح وبما يخدم الغاية التي من أجلها تستعاد. (للحديث تتمة).