منذ مطلع الموسم الدرامي التلفزيوني الرمضاني الماضي لا تنقطع في الصحافة العربية، ومواقع التواصل الاجتماعي، الكتابات حول الدراما التلفزيونية السورية، وتكاد لا تخلو أي محطة تلفزيونية عربية مهمة من عمل درامي سوري، أو أكثر، وتكاد أيضاً لا تخلو أي صحيفة عربية مرموقة من متابعة صحفية ما، لعمل درامي سوري، ومعظم ما ينشر يمتدح في الدراما التلفزيونية السورية تنوعها وجرأتها وتطور أساليبها الفنية، بما يستجيب للرغبات المتباينة للمشاهدين العرب في النوع والموضوع، ويقدم صورة متألقة لصنّاع الدراما التلفزيونية السورية من مؤلفين وممثلين وفنيين ومخرجين، فإذا جاءت مادة صحفية خارج هذا السياق كان مصدرها دمشق، وكان صاحبها من سورية ..
بطبيعة الحال لست أعترض هنا، ولا في أي مقام أخر، على الكتابات الموضوعية المنصفة مهما بلغ حدود النقد فيها، فالنقد كان منذ البداية أحد الأسباب التي ساهمت في ارتقاء الدراما التلفزيونية السورية، واستمرار تطورها، وقد شهدت الصفحات الثقافية في الصحف السورية منذ وقت بعيد – وما تزال – حوارات واسعة حول ما تقدمه درامانا، وحول أساليبها الفنية، واستضافت على مدى سنوات طويلة صنّاع الدراما ليتحدثوا عن تجاربهم ورؤاهم، كما فتحت صفحاتها للكتابات النقدية حول تلك التجارب والرؤى، وما قدمته على أرض الواقع، وبنظرة شاملة إلى تاريخ الكتابة عن الدراما التلفزيونية السورية يكتشف أي متابع منصف أن أهم وأصدق ما كتب عنها إنما نشر في الصحافة السورية باستثناءات قليلة تشمل في الآن ذاته كتابات متحاملة ومتحيزة في الصحافة السورية، وكتابات محايدة في بعض الصحافة العربية، ولا أقول في جميع الصحف العربية، ذلك أن بعض الصحف كانت تشترط على مكاتبيها من دمشق مواضيع تنتقد العمل الثقافي والإعلامي السوري، ومن ضمنه الإنتاج الدرامي التلفزيوني، وقد اشتكى هؤلاء (المكاتبين) مراراً من أن بعض الصحف التي يكتبون لها قد رفضت مواضيعهم التي تتناول بموضوعية العمل الدرامي التلفزيوني السوري، وغيره من النشاط الثقافي والفني، واشترطت عليهم للنشر إجراء لقاءات مع فنانين سوريين يهاجمون فيها بعضهم بعضاً، حتى تحولت تلك الصحف في وقت من الأوقات إلى مساحة لنشر الغسيل الوسخ..
ما حدث سابقاً لا يتعلق فقط بما اصطلح عل تسميته بالصحافة الصفراء، وتلك الصحف اللاهثة وراء الفضيحة، أو اختلاقها، فبعض الصحف الرصينة التي لم تشهر العداء للمجتمع السوري في فترة تعرض هذا المجتمع لأعلى التحديات الخارجية، حاولت اتقاءً للعاصفة أن تظهر بمظهر المحايد فأشرعت صفحاتها الفنية والثقافية لكل كتابة تنتقد مظهراً من مظاهر الحياة الثقافية والإبداعية في سورية، وحجبت عن النشر في الآن ذاته أي نص يعرض لأي من الجوانب المضيئة فيها، حتى أدرك مراسلو تلك الصحف أن سبيل نشر كتاباته يمر في تضمينها موقفاً واضحاً ضد عمل ثقافي أو إبداعي أو إعلامي سوري، وحتى صار قراءة اسم الصحيفة أو مراسلها كقراءة (المكتوب) من عنوانه..
لم تكن هذه الحال معزولة عما شهدت الكتابات (النقدية) السورية من تحولات ففي ذروة التنافس بين صنّاع الدراما التلفزيونية وجد بعضهم نقاداً(بين قوسين حتماً) يتطوعون لخوض معاركهم مستخدمين فيها وسائل وأساليب يصعب على أصحاب المعركة الأصليون عن استخدامها، ومع سهولة هذا النوع من الكتابات ورواجها في أوساط (ثقافة النميمة) ازداد عدد مرتكبيها، حتى شاع ذلك النوع من الكتابات التي تقدم نفسها باسم النقد في حين أنها لا تتضمن سوى المواقف الشخصية المنحازة إلى دوافع نفسية غامضة، والأفكار الرائجة البعيدة عن المصداقية، والاستنتاجات العجولة الخاطئة المعزولة عن مقدمات صحيحة، والتي تقدم نفسها كأحكام مقدسة لا تقبل النقاش.