الثورة _ ديب علي حسن:
لم يشغل مفهوم أو مصطلح علماء الاجتماع والباحثين كما فعل مفهوم أو مصطلح الثقافة فيمكن القول ببساطة: إن لكل عالم أو باحث مفهومه الخاص عن الثقافة، ويمكنه أن يقدم الأدلة والشواهد على صحته.
كل يوم يضاف معنى جديد إلى المصطلح.. ما جعل أحد الباحثين في هذا المجال يقول: (ليتني لم أسمع بكلمة ثقافة أبداً) بينما يرى آخرون ولاسيما في أحدث المعجمات العالمية التي تتناول المصطلحات في معجم (مفاتيح اصطلاحية حديثة.. صدر عن المنظمة العربية للترجمة)، يقول في تعريفه للثقافة: (هي فكرة تتعرض للشبهات بعمق لكن المرء لا يستطيع أن يعمل من دونها).
هذا يعني أن مفهوم الثقافة اتسع ليشمل كل نواحي الحياة من الجانب الروحي والفكري الى المادي.. فالشعر والإبداع والفلسفة والاجتماع هي علوم ثقافية وكذلك العادات والتقاليد.. وأصبحنا نتحدث عن ثقافة اقتصادية وسياسية واجتماعية و ثقافة النوادي والثقافة العنصرية وثقافة الشتات وثقافة العقاقير وثقافة الإعلام والثقافة البصرية..إلخ ..وهذا ناتج من كثرة الإفراط في توسع معنى مصطلح الثقافة.
سموم..
ترى هل كل هذه المعاني تحمل الجانب الإيجابي وهل كل الثقافات تتكامل ام يمكن أن تصل إلى مرحلة الصدام، وهذا ما عبر عنه هنتغتون في كتابه: (صدام الحضارات).. وهل الصدام مباشر أم ثمة أدوات مختلفة..؟
أخطر أنواع الصدامات تلك التي لا تظهر للعين أبداً إنما تكون من خلال الأدوات الجميلة التي تسمى فنوناً إبداعية بدءاً من المقروء إلى المرئي إلى كل ألوان الابداع، وهذا ما يسمى: الاختراق الثقافي أو الغزو ..
وهو أخطر أنواع الحروب لأنه يقصد العقل..ساحته وأدواته العقل ومن يستطيع أن يتحكم بالعقل ويديره بشكل مباشر أو غير مباشر فقد استطاع أن يتحكم بكل شيء..
هذا الغزو ليس مباشراً أبداً بل يتخذ من ألوان الإبداع مطية له ليصل بثقة وهدوء إلى غاياته..
بشكل غير مباشر
وقد أشار إلى هذا المفكر (السوفييتي ق ريابوف) في كتابه المهم الفن والإيديوجيا ) ترجمة د. خلف الجراد.. صدر عن دار الحوار في اللاذقية.. يقول:( بلا شك فإن الفن هو أحد الأشكال الحيوية لمجال النشاط الإعلامي والأيديولوجي إلا أن الفن لا يقوم بوظيفة أيديولوجية مباشرة، وإنما يقوم بذلك بشكل غير مباشر عبر أقنية فنية مختلفة.. ويورد رسالة مهمة قدمها لينين إلى مكسيم غوركي حول ذلك تقول: (أفكار الناس لا تتغير تحت تأثير فيلم سيئ واحد أو لوحة فنية واحدة.. إنما بتأثير وموجات متتالية من الأعمال الأدبية والفنية المنظمة على شكل جرعات مسمومة لأحداث غسيل فكري لأدمغة الناس بشكل بطيء.. وقد اعتبر تلك الأفكار سموماً مغلفة بأجمل أنواع اللفائف، وإن ملايين الخطايا والقباحات والعنف والأوبئة الجسمانية أسهل بكثير وأقل خطراً من الأفكار الناعمة المتسللة عبر ألبسة أنيقة مثالية).
وخلاصة القول:إن الثقافة والفن الحقيقي هو تاريخ لتطور إبداعات الإنسان وللذوق الجمالي… ولهذا علينا الحذر من تلك اللفائف التي تأتي على شكل إجراءات وإغراءات ثقافية لكنها تخبئ سمومها القاتلة التي إن تغلغلت في جسد الثقافة والإبداع احتلت العقل وتحكمت به ومسخته كما يحلو لها.