الثورة _ ديب علي حسن:
ما من أمة على وجه الأرض تجمعها روابط القومية كما الأمة العربية بدءاً من التاريخ الموغل في القدم واللغة والعادات والتقاليد والتطلعات والرؤى والثقافة المشتركة تراثاً ومعاصرة وغير ذلك من الروابط الأخرى وبالتالي تكون الهوية الحضارية والإنسانية المنفتحة على الثقافات العالمية.
مع ذلك كله ثمة من يعمل على هدم هذه الروابط ولا يريد لها أن تقوى وأن تتجدد… تمر بمحن ومصائب ولكن المفكرين والكتاب والمثقفين والقادة الحقيقيين دائماً يضخون نسغ الحياة في هذه الروابط ويعملون على تجديدها وحتى نقد الخطاب القومي وقراءة ما له وما عليه.
سورية دائماً المركز
والتأكيد كانت سورية دائماً المركز في هذا الشأن بدءاً من اليقظة العربية إلى اليوم والغد…. هل نذكر بساطع الحصري وزكي الأرسوزي وجورج صدقني وسليمان العيسى وعبد الله عبد الدايم وقسطنطين زريق وشكري فيصل وكثيرون غيرهم.
ولهذا كانت دمشق الملاذ لكل مفكر عربي ولكل فكرة عربية نبيلة توحد ولا تفرق، واليوم ومع كل ما مرت به سورية لم تفقد إيمانها بالفكر القومي ولم تترك البوصلة، وها هم المفكرون العرب يجددون الموقف من دمشق من سورية ويعقدون مؤتمرهم هنا على أرض زهت بالشموس الضوضاء ويستقبلهم السيد الرئيس بشار الأسد ليدور نقاش مثمر حول آليات تجديد الفكر القومي والعمل بشكل حثيث ودؤوب من أجل تجاوز كل الشوائب التي علقت به.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الكثير من الكتب والدراسات التي تناولت خطاب الفكر القومي دعت إلى تطوير آلياته والقدرة على التجديد فيه من حيث الروابط والهوية والانتماء.
الخطاب القومي
وتشير إلى كتاب مهم للدكتور عبد الإله بلقزيز صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت حمل عنوان ..نقد الخطاب القومي العربي وفيه قراءات مثمرة ومهمة عن هذا الكتاب يقول الكاتب صلاح الدين ياسين في الحوار المتمدن:
(من ضمن النقد للخطاب القومي العربي إيغاله في تعداد العوامل الخارجية (الموضوعية) المعيقة لتحقق الوحدة العربية، في مقابل الإغضاء عن نصيب العوامل الذاتية من المسؤولية في ذلك الإخفاق والحق أن واقع التجزئة الكيانية للوطن العربي سابق في وجوده للحقبة الكولونيالية، الأمر الذي يرجع، أساسًا، إلى هشاشة وتضعضع التكوين البنيوي الداخلي، ونعني بذلك استمرار سطوة العصبيات التقليدية (قبلية، طائفية، مذهبية… إلخ) في ظل عدم تَجَذر الوعي بفكرة الدولة في منظورها الحديث. وهكذا، فإن التغلب على تلك المعضلة البنيوية يقتضي، في رأي بلقزيز، بناء الدولة الوطنية الحديثة (دولة المواطَنة) كقاعدة أولية في أفق التأسيس لدولة الوحدة ضمن إطار إقليمي أوسع وهنا يمكن حسبان تجربة الاتحاد الأوروبي مثالاً ملهماً في هذا الصدد، عن طريق تأهيل وتمتين البنى السياسية والاقتصادية للدول الوطنية كشرط لا غناء عنه للاندماج في نظام إقليمي موسع.
الواقع الموضوعي
كما أنه يجدر بنا الإحجام عن تفصيل الوحدة المنشودة على مقاس نموذج نظري اقتصادي أو اجتماعي معين (كالمناداة بوحدة اشتراكية أو ليبرالية) لئلا تتحول الفكرة من قضية جامعة إلى مدار تنازع طبقي وفئوي، ذلك أن متطلبات الواقع الموضوعي هي التي يُفترض أن تحدد مضمونها تبعاً لمصلحة الأمة وتأسيساً على ذلك، فإن فكرة الوحدة تستقي مشروعيتها من تحديات الحاضر والمستقبل، لا من الماضي وموروثه الثقافي، فمصلحة العرب والمخاطر الوجودية التي تتهددهم تستلزم الوحدة في عصر العولمة والتكتلات الكبرى، مثلما يشير الكاتب إلى ذلك بحق.
يتأدى بنا ما سبق ذكره إلى الحديث بشأن شكل الوحدة المنشودة وصيغتها، ونمط التوحيد الأنسب في الحالة العربية، بين خيار التوحيد الاندماجي (المركزي) الذي ينهض على فرضية التجانس الثقافي للأمة، والنمط الاتحادي (الفيدرالي والكونفيدرالي) الذي قوامه المصلحة الواقعية للأمة في الوحدة. ولا يخفي الكاتب انتصاره لهذا النمط الأخير من منطلق براغماتي لا رغبوي، يستحضر حقائق اللحظة الراهنة في ضوء رسوخ الكيانات الوطنية أو القطرية كمعطى نفسي وفعلي يصعب القفز عليه، ولكون أن النمط إياه يوفر ضمانات أكبر لشراكة متوازنة الأطراف، خلافاً للوحدة الاندماجية التي تلغي الخصوصيات وتسفر عن علاقات هيمنة وتبعية بين المركز والهوامش).
خلاصة القول العروبة مشروع ثقافي حضاري إنساني ليس تعصبياً ولا عرقياً، ودمشق التاريخ والحضارة والدور هي التي تعطيه معناه وتجدده ليبقى الرسالة الفاعلة والضامنة والموحدة.