الثورة _ ديب علي حسن:
تمثل القراءات الاستشرافية في العلوم الإنسانية ركيزة مهمة جداً في قراءة المتغيرات والتحولات العالمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ظلّ التطور السريع في التقنيات المعلوماتية التي تتفجر كلّ ساعة وتحمل معها متغيرات كبرى.
ويجب الاعتراف هنا أن علم الاجتماع العربي لم يقرأ أو يقترب كثيراً من هذه الموضوعات، وتبقى الدراسات الغربية هي الأساس في ذلك.
وقد فعل حسناً الدكتور نايف الياسين الأستاذ الجامعي والمترجم البارع بأن نقل إلى العربية كتاب «قدوم الإقطاع الجديد» تأليف جويل كوتكين وقد صدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب.
عتبات الكتاب..
في العرض الصحفي السريع لمثل هذه الكتب المهمة لا يمكن الإحاطة بعمق ما فيها لانها تقدّم معطيات وتحليلات ورؤى يصعب جداً أن تختزل أو أن يقتبس منها فكان لابدّ من اللجوء إلى ما يسمى عتبات الكتاب من مقدّمة أو خلاصة أو تمهيد لتكون إشارات إلى أهمية العمل ومن ثم يكون دور القارىء الذي يسعى نحو المزيد.
هذا الكتاب
يقول المؤلف في تمهيده للكتاب: (هذا الكتاب ليس يمينياً ولا يسارياً إنه محاولة لتلخيص النازعات المؤدية إلى مجتمع أكثر تراتبية وأكثر ركوداً على الرغم من أنه قد يكون سبق السيف العذل، وآمل أن يثير هذا الكتاب نقاشاً وأن يؤدي إلى فعل لوقف المسار الراهن نحو إقطاع جديد في جميع أنحاء العالم).
بالنظر إلى أني قضيت عمراً وأنا ديمقراطي وبت الآن مستقلاً فإني لا أرى أن هذه قضية ايديولوجية أو حزبية أعتقد أن الأغلبية الساحقة من الناس محافظين وتقدميين على حد سواء ،لا يتطلعون إلى مستقبل يتميز بعدم المرونة الطبقية وبمظاهر تركيز كبيرة للثروة والسلطة على حد سواء انها ظاهرة عالمية تشمل ليس الولايات المتحدة وحسب بل المملكة المتحدة وأستراليا وكندا ومعظم القارة الاوروبية والدول المتقدمة سريعاً في شرق آسيا.
لقد أسهمت التقارير التي تغطي ما يحدث على الأرض -ولا سيما في الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة وسنغافورة والهند والصين-كثيراً في صياغة هذا الكتاب لكني استمديت الإلهام أيضاً من التفكير،ربما كان محللو الماضي العظام -أليكسيس دي توكفيل وكارل ماركس وماكس فيبر ودانييل بيل ودايشي ساكايا والفن توفلر-سيخلصون إليه بشأن الوضع الراهن.
إن المستقبل الذي يلوح في الأفق ليس مستقبلاً أرغب فيه لأي بلد أو لأطفالي ولذلك يهدف هذا الكتاب إلى حشد جميع أولئك الذين يؤمنون بالاستقلال والحرية وبالإمكانات التي تتيحها المرونة الطبقية بمعنى أن يتمكن الناس من الارتقاء من طبقتهم إلى طبقة أعلى وهي الظاهرة التي شكّلت العلامات البارزة للديمقراطية الليبرالية على مدى القرون القليلة الماضية.وحسب المؤلف أيضاً فإن هذا الكتاب يجادل بأن الاتجاهات الاقتصادية و السياسية الراهنة تؤدي إلى ظهور شكل جديد من الإقطاع حيث تسيطر نخبة محدودة العدد على معظم الثروة والسلطة بينما يتضاءل ما تبقى من المجتمع إلى طبقة دنيا تابعة لا تتمتع بأي درجة من السلطة .ولا يقف الكتاب عند الاستشراف بل يقدّم توصيات بشأن كيفية تفادي هذا المستقبل الديستوبي.
واللافت أن الكتاب أيضاً يبحث في حال الثقافة والفكر في هذا المصير ويخصص لذلك حيزاً من الكتاب . يقع الكتاب في ٣٧٦ صفحة من القطع الكبير.
بقي أن نشير إلى أن المؤلف يشغل زمالة في الدراسات الحضارية في جامعة تشابمان كاليفورنيا وله العديد من الدراسات المهمة في الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
اما المترجم الدكتور نايف الياسين فهو أستاذ الأدب الانكليزي في جامعة دمشق شغل منصب عميد المعهد العالي للغات.
وله العديد من الكتب المترجمة المهمة منها المخطط الوراثي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية عام ٢٠٢٢م وكتاب متعة المتخيل صدر عن دارالتكوين بدمشق و كتاب أين ذهب كلّ المثقفين..وهو الآن مدير عام الهيئة العامة السورية للكتاب.