كان الحديث عن غزة يشغل حديثنا في المسافة الممتدة بين مبنى الصحيفة في دوار كفرسوسة ووسط المدينة.. أمضينا الوقت، الزميل الصحفي الشاعر وأنا، نسترجع بإعجاب حكايات العمليات البطولية التي يخوضها الغزاويون الشجعان كلّ يوم في أنحاء القطاع الذي كان يرزح تحت وطء الاحتلال الصهيوني.. وكيف أن جنود الاحتلال المدججين بالأسلحة لا يجرؤون على التجول في الليل الغزاوي خوفاً من مفاجآت المقاومة الفلسطينية..
حدث هذا قبل نحو ثلاثة عقود، ومع ذلك فقد رسخ ذلك الحديث في ذاكرتي فبقيت تستعيده كلما عادت غزة إلى واجهة الأحداث، كما هو الحال في أيامنا الراهنة. ربما للتشابه الكامن في الصورة بين الأمس واليوم، وبين الأمس الأبعد والأمس واليوم.. سواء كانت الصورة غزوة الإسكندر الوحشية لها، أم حملات الفرنجة التي غزت هذه الأرض، واستوطنتها، قبل أن ينجح أبناء المنطقة بردها عنها، أم احتلالاً بريطانياً سلم فلسطين إلى عصابات من المهاجرين – المهجرين الأوروبيين..
المهاجرين تعبير ألفناه ، فماذا عن المهجرين ؟..
هو أمر مرتبط بجذور القضية الفلسطينية، والمسألة اليهودية.. وحقيقة ينبغي التذكير بها نتذكرها اليوم أكثر من أي يوم مضى، في ظل مسعى صهيوني – عالمي لنسيانها..ومعرفتها اليوم ضرورة بالغة لأجيال شابة أريد لها أن تكون أبعد فأبعد عن جذور الحقيقة، وأصل المشكلة..
نشأت مأساة فلسطين من التقاء مصلحتين أوروبيتين، أولاهما: تمتد منذ مئات السنيين، وقد تعززت بعد حملة محمد علي باشا على بلاد الشام، وتتلخص في حاجة الغرب الأوروبي لحاجز بشري غريب يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، بما يحول دون احتمال تحوله إلى قوة ذات شأن..
والمصلحة الثانية: في حل مشكلة أوروبية داخلية تتمثل في عداء الفكر الأوربي العنصري للوجود اليهودي في بلاده. وقد عبر عن نفسه في محاكم التفتيش، ومن ثم في الاعتداء على الأحياء اليهودية (الغيتويات) في المدن الغربية قبيل كل واحدة من حملات الفرنجة على المشرق العربي. وتوج في الاضطهاد النازي لليهود الذي استغلته الهيئات الصهيونية إلى أبعد حد – وربما شاركت فيه – لدفع يهود أوروبا نحو فلسطين، على الرغم من أن أوروبا كانت قد تخلصت من النازية، وبالتالي لم يعد ثمة خطرعلى اليهود فيها، لولا حرص النخب الأوروبية الحاكمة على إبقاء الخوف اليهودي قائماً للتخلص من اليهود من جهة، ولاستخدامهم في إقامة الحاجز البشري الغريب من جهة ثانية..
ترجمت الغزوة الصهيونية لفلسطين وسيلة لحل مشكلة داخلية أوروبية، كما كان الحال مع غزوات الفرنجة للبلاد العربية، ومثَل الوجود الصهيوني، حالة مماثلة للوجود الفرنجي، لجهة غربته عن المنطقة، ولذلك فإن المقيمين في الكيان الصهيوني الغاصب يتملكهم بعد خمس وسبعين سنة من وجودهم على أرضنا الخوف من المصير المشابه الذي لقيته ممالك الفرنجة في بلادنا، على الرغم من بقائها فيها قرنيين من الزمان..
وهم في ذلك محقون..