الثورة – جهاد اصطيف:
أعلنت وزارة التربية السورية اليوم السبت نتائج امتحانات الشهادة الثانوية العامة بفروعها كافة لدورة عام 2025، وسط حالة من الترقب عاشها الطلاب وأسرهم في مختلف المحافظات.
وكما جرت العادة، فقد كان الإعلان بمثابة مناسبة عامة بامتياز، ولاسيما أن الأمر لا يتعلق بمستقبل عشرات الآلاف من الطلبة، بل يعكس أيضاً صورة عن واقع العملية التعليمية في البلاد بعد سنوات طويلة من التحديات.
وفقاً للأرقام الرسمية، فقد بلغ عدد المتقدمين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة – الفرع العلمي – 211,473 طالباً وطالبة، فيما بلغت نسبة نجاح الطلاب النظاميين 75.5 بالمئة، مقابل 55.6 بالمئة للأحرار (المتقدمين بشكل حر)، أما في الفرع الأدبي، فتقدم 115,801 طالب وطالبة، وبلغت نسبة النجاح 54.9 بالمئة للنظاميين و24.1 بالمئة للأحرار.
هذه النسب التي اعتبرها تربويون مقبولة قياساً بالظروف العامة، أظهرت حضوراً لافتاً لمحافظة حلب، التي واجهت صعوبات استثنائية خلال السنوات الماضية، لكنها تمكنت رغم ذلك من تحقيق نتائج مشرفة قاربت المعدلات العامة في معظم الفروع.
حلب في قلب المشهد
منذ بداية العام الدراسي، كان قطاع التربية في حلب أمام امتحان حقيقي، وخاصة بما يتعلق بتأمين بيئة تعليمية مقبولة لعشرات آلاف الطلبة في ظل ضعف البنية التحتية ونقص الكوادر التعليمية.
ومع ذلك، جاءت النتائج لتؤكد أن الجهود لم تذهب سدى، إذ برز من حلب عدد من الطلاب الأوائل على مستوى البلاد، ما اعتبر دليلاً على أن العملية التعليمية بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً، وأن التفوق لا يعرف حدوداً مكانية في حال توفر الإرادة والدعم.
قصص نجاح من رحم الصعوبات
بين الأرقام الجافة، تبقى القصص الإنسانية الأكثر حضوراً في وجدان الناس.
الطالبة سلمى أرفادي القاطنة في حي الأشرفية، وهي إحدى المتقدمات لامتحانات الفرع العلمي، تحدثت لـ” الثورة ” بفرح واضح: لم تكن الطريق سهلة أبداً، كثيراً ما درست على ضوء (الليدات) بسبب انقطاع الكهرباء. كنت أراجع دروسي وسط ضجيج انشغال العائلة بتأمين متطلبات الحياة اليومية، لكن دعم أمي وأبي ومعلميّ كان دافعاً قوياً، اليوم أشعر أن كل التعب لم يذهب هباءً.
أما الطالب منذر وزّان، وهو متقدم لامتحانات الفرع الأدبي، فاعتبر أن نجاحه خطوة أولى نحو تحقيق حلمه بدراسة الحقوق: كنت أعمل بعد الدوام المدرسي لأساعد عائلتي، ومع ذلك كنت أحرص على تخصيص وقت كاف للدراسة، النجاح اليوم ليس فقط لي، بل لكل من وقف إلى جانبي.
هذه الشهادات تعكس أن نجاح طلاب حلب لم يكن نتيجة ظروف مثالية، بل ثمرة عزيمة وإصرار في مواجهة التحديات.
تحديات
لا يمكن قراءة نتائج هذا العام بمعزل عن الظروف التي عاشتها حلب في العقد الأخير، فالمحافظة عانت من تضرر مئات المدارس، ونقص الكوادر التدريسية المؤهلة، إضافة للصعوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الأهالي.
يقول مدرس اللغة العربية مصطفى حميدان لـ “الثورة”: واجهنا نقصاً في الكتب المدرسية والمقاعد، وأحياناً حتى في اللوحات والطباشير، لكن التفاني الكبير من المعلمين الذين واصلوا عملهم رغم ضعف الرواتب والضغوط المعيشية، كان وراء هذه النتائج.
كذلك، كان لغياب الاستقرار الكهربائي وانقطاع الإنترنت أثر مباشر على تحصيل الطلبة، وخصوصاً مع توجه الوزارة نحو تعزيز التعليم الرقمي في السنوات الأخيرة، ومع ذلك ابتكر الطلاب طرقهم الخاصة للتأقلم، ما جعل من نجاحهم مضاعف القيمة.
دور المجتمع والأهالي
لم يكن للنجاح أن يتحقق لولا تضافر جهود المجتمع المحلي، إذ كثير من الجمعيات والنقابات والأهالي في حلب ساهموا في دعم مدارس أبنائهم، سواء عبر المبادرات الفردية أو من خلال لجان الأحياء.
السيدة أم خالد، وهي والدة أحد الناجحين تحدثت عن تجربتها قائلة: كنا نجتمع نحن الأمهات لتأمين ما نستطيع من مستلزمات لطلبتنا، كنا نعلم أن مستقبل أبنائنا يعتمد على هذه التفاصيل الصغيرة.
هذا التعاون المجتمعي، عكس إدراكاً متزايداً، مفاده أن التعليم هو السلاح الأهم لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
التربية: نحو خطط تطويرية
وزارة التربية أكدت في بيانها، أن النتائج الحالية تعكس الجهود الاستثنائية التي بذلت من الكوادر التربوية والتعليمية والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية والوزارات المعنية في إنجاز هذا الاستحقاق الوطني، وهذا إن دل فهو يدل على المضي قدماً في خطط التطوير، سواء من حيث تحديث المناهج أو دعم الكوادر أو تحسين البنية التحتية.
تحدثت مديرية التربية بحلب في مناسبات عدة، عن مشاريع جارية لإعادة تأهيل عشرات المدارس خلال العام الدراسي القادم، إضافة إلى خطط لزيادة عدد الدورات التدريبية للمعلمين في مجالات التعليم الرقمي والطرائق الحديثة.
أثر النتائج على التعليم العالي
لا تقف أهمية نتائج الثانوية عند حدود المدارس، بل تمتد مباشرة إلى الجامعات التي تستعد لاستقبال عشرات آلاف الطلبة الجدد، وفي هذا الإطار يُتوقع أن تشهد كليات الطب والهندسة في جامعة حلب إقبالاً واسعاً من خريجي الفرع العلمي، في حين ستستقطب كليات الحقوق والآداب طلبة الفرع الأدبي.
رسالة أمل
في المحصلة، تعكس نتائج الثانوية العامة لهذا العام صورة كاملة ذات وجهين، الأول نجاح ملموس في تجاوز الصعوبات وتحقيق نسب نجاح مقبولة، والثاني تحديات مستمرة تتطلب استجابة عاجلة.
حلب، التي عاشت ظروفاً استثنائية، خرجت من موسم الامتحانات مرفوعة الرأس، لتقول من جديد إنها قادرة على المضي قدماً رغم كل العوائق. الطلاب الذين احتفلوا اليوم بنجاحهم ليسوا مجرد أرقام في جداول إحصائية، بل قصص أمل وإصرار ورسائل واضحة أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل في حال توفرت الإرادة والدعم.