قبل عدة سنوات زار رئيس الحكومة الأسبق مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، وخلال الجولة تفاجأ بعدد آلات الطباعة المنسقة والمتراكمة أمام المطابع، وعلى جانبيها، وسأل لماذا كل هذه الخردة؟ ولماذا لم ترسل لمعمل “الصهر” في حماة؟
وقبل أن يسمع الجواب قام بإعفاء مدير المطابع من منصبهً. طبعاً مدير المطابع لم يكن يتحمل أي مسؤولية، ولا الإدارة التي كانت أرسلت كتاباً لمجلس الوزراء للموافقة على إرسال الآلات القديمة لمعمل الصهر، ولكن لم تأت الموافقة وبالنتيجة تمت معاقبة مَن لا علاقة له بالأمر.
قبل أيام أتت آليات ونقلت عشرات.. وربما مئات الأطنان من الخردة والآلات القديمة “المكومة” في الصحيفة، لمعامل الصهر بقرار من إدارة المؤسسة، بناءً على محاضر جرد وإتلاف أقرتها لجان متخصصة، بعض أعضائها من اللجان السابقة، في خطوة مهمة في تبسيط الإجراءات وإلغاء المركزية المفرطة، طبعاً الأمر متاح لكل الجهات وليس لمؤسسة الوحدة فقط، وأصبح بإمكانها أن تتخلص من أكوام الخردة التي تشغل حيزاً مهماً في هذه المؤسسات وساحاتها.
الأمر الآخر.. والأكثر أهمية، أن كل الآليات والسيارات القديمة أصبحت تُرحل إلى معامل الصهر مباشرة وبقرار من الجهات نفسها وفق ضوابط وأصول قانونية واضحة، بدل أن تُسلم لمؤسسات أخرى لتبيعها في مزادات الفساد، وبأسعار تفوق أسعار أحدث الموديلات، والتي جعلت الشوارع مليئة بالسيارات القديمة المتهرئة كونها تعود لأكثر من خمسين عاماً، وأصبحت تشكل خطراً على السلامة العامة.
هذا الأمر في تبسيط الإجراءات والتخلص من مخلفات تراكمت لعدة عقود سيساهم في تحقيق إيراد كبير لبعض المؤسسات والجهات العامة، كما سيوفر مساحات كبيرة يمكن استثمارها بشكل مباشر أو طرحها للاستثمار من قبل القطاع الخاص.
المرونة في الإدارة ومنح الاستقلالية في معالجة المشكلات وفق قواعد وضوابط محددة يجب أن يستكمل بتغيير آليات عمل المؤسسات الرقابية في محاسبة الجهات العامة، بحيث تُحاسب هذه الجهات على النتائج وليس الخطوات، فما النفع أن يتولى شخص إدارة ويلتزم بكل الخطوات من دون أن يحقق نتائج بمقابل شخص تجاوز الخطوات وحقق إيرادات عالية؟.
هناك من تولى الإدارة لسنوات طويلة، ولم تسجل بحقه ملاحظة رقابية رغم تراجع أداء المؤسسة، وهناك مديرون عملوا لفترات قصيرة وحققوا نتائج ممتازة، ولكن ذهبوا بملفات رقابية لعدم الالتزام بخطوات محددة واجتهدوا في القرار.. “من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ”.