لم تكن أحاديثنا – نحن الكتاب – حين نلتقي تتجاوز هموم الكتابة ومشكلاتها وهموم الطباعة وسرقات دور النشر (في معظمها) لجهد الكاتب الذي يفني عمره بين الحبر والسهر والقلق.
كانت الإصدارات الجديدة للرواية محفزة للجميع على الكتابة والابتكار وكانت الجوائز أيضاً عاملاً مهماً للدفع بالكاتب إلى تحدي ذاته وإلى جعل الكتابة ذات جدوى وأهمية في استنهاض الوعي المجتمعي وفي التعبير عن آفاق جديدة للإبداع.. كان الابتكار هاجساً.. وإعداد الأبحاث النقدية وإيصال ما نكتبه إلى العالم العربي كله حلم نعمل عليه.. لكن (وهنا كما يقال (حطنا الجمَّال)
لكن ومنذ سنوات الحرب الطاحنة على البلد وانهماك سورية بأمنها وأمانها والحفاظ على وحدتها الجغرافية والتاريخية والاجتماعية.. بدأت الحوارات الأدبية تنحرف عن بوصلتها وصارت الحوارات تدور حول الخراب القيمي الأخلاقي السوري.. حيث يقتل الأخ أخاه والابن يقتل أمه.. وصارت لعبة الثورة والثوار مهزلة العالم الذي يسخر منهم ويسيرهم كما يسير طفل طائرات الورق.. والحيلة انطلت على الشعب السوري.. والأحزاب الجديدة تشكلت مما هبّ ودبّ.. وصار الجميع يطمح إلى الزعامة الحزبية والسياسية والظهور على الفضائيات.. وتحولت قلة الذوق إلى جرأة والبطش والقتل بطولة.. وصار تخريب منشآت الدولة التي هي أساس الدولة وبنيتها التي يقوم عليها المجتمع صارت تسمى ثورة.. والارتهان للغربي صار يدعى ارتهاناً للأصدقاء.. وهكذا تغيرت المصطلحات وتغيرت مدلولاتها وتأويلاتها وضاع الصالح بالطالح.. فكثر عدد الشهداء وكثر الفقر والادعاء ودفع فقراء المدن والريف الثمن الباهظ.. وتتالى دفع الأثمان.. لدرجة أنه صار مألوفاً أن يكون في الشارع الواحد عشرات الشهداء والمخطوفين والجرحى ولا أحد يحس بهم.. فلكل بلاه ووجعه إلا الفاسدين.
مع ذلك كله ظلت حوارات الصمود سائدة.. وحوارات الصبر.. وكتابة المقالات التي تبث الأمل وتمجد الشهادة والإخلاص ولو بقي أحياناً في إطار الكلام.. مجرد كلام.
غير أن التحول الذي أصاب حوارات المجتمع السوري وتحولاته أصابت جوهر الحوارات ونقلتها من حوارات تنشد الصبر والمستقبل إلى حوارات يائسة بائسة تدور في فلك الفقر والفساد الذي لم يترك للمناضلين الصابرين الباقين في البلد شيئاً ليتمسكوا به ويظلوا على عهد الوفاء لترابه وصارت الجملة الشهيرة التي يتداولها الجميع. هي (أنا أناضل وأترك أولادي يجوعون من أجل حبات ترابه وأمام عيني من يبلع البلد وأولاده متخمون من المازوت والبنزين والكهرباء والرفاهية.
وتدنى مستوى الأمل.. وسارت مقالاتنا نحن الكتاب في ذات الطريق وفي ذات الاتجاه..
عن ماذا نكتب؟
وعن أي مستقبل نكتب؟
لم نعد نحلم بابتكار روائي جديد.. ولا بالوصول إلى أقصى جهات القراء.. صارت أحاديثنا يومية تتعلق بالخبز والسكر وكأننا نعيش عصراً أسطورياً لا يمكن للواقع أن يتماشى معه فكل ما يحدث يفوق الخيال.. لذلك نجد كتاباً قد انقطعوا عن الكتابة.. وكتاباً يدورون في فلك المعركة والحرب.. ولكن الشكوى الآن تتجاوز الكتاب.. وتتجاوز كل المقاييس إذ أصبحت القضية قضية كل فرد حتى أنها قضية الأطفال بشكل أساسي لأن العلم تخرب والمدارس منهكة والترهل في الكادر التعليمي بلغ حده.. والذي يترنح أخيراً تحت كل هذه الضربات الموجعة هو الوطن ومستقبله.. لم يعد من متسع للحلم ولم نعد نسمع سوى الصراخ عبر مواقع التواصل التي قلصت دور وزارة الإعلام ووزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب. هذا إذا بقي من أدوار ناجعة.
أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 23-1-2019
رقم العدد : 16892