المال في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة وقهر وموت، وليس صحيحا أن الفقر مصنع الرجال أبدا، ربما كان ذلك في يوم من الأيام حين كان الفقر عاما وشاملا، والمقدرات معدومة، وحين كان الفقراء عبيدا في حقول الأثرياء يزرعون ويحصدون، ولا يأكلون، نعم حينذاك كان الفقر مصنعا للرجال من أجل تجاوز واقع القلة والعدم، وكم من رجل ثري كان يمشي حافي القدمين حين الفقر، يصل وقد تشققت قدماه، وحين تجاوز واقع الألم والبؤس ودخل منتدى الثراء ولم يقطع العهد بما كان عليه وأهلوه، بل إن بعضهم كان عطوفا بارا، كريما مع كل من عاش ويعيش الفقر، لكن هذا لم يبق زمنا طويلا.
فحين زاد الثراء، وتسابق الكثيرون إلى اقتناص الفرص والسباحة في بحر التجار وملذاتهم، بل وحمايتهم، تحول الأمر وصار ما صار، ينظر من ليس بيده إلا لقمة عيشه، سواء أكانت من مرتب الوظيفة، وهو بالكاد يحقق أدنى مقومات الحياة، لكن كما يقال: الكحل أفضل من العمى، وربما بصيغة أخرى: مازلنا بخير، نعم، نحن بخير فرغيف الخبز توفره الدولة، ومستلزمات الحياة الكثيرة، بقوة البقاء والعطاء والقدرة تعمل الدولة، نعم الدولة أقول، وليس الكثير ممن هم في موقع القرارات التي تبدو كأنها قادمة من عالم آخر، وكأن متخذيها خارج التاريخ.
اليوم وقد دخلنا العام التاسع من المحنة والحرب علينا، لايمكننا أن نلوم عدوا قاهرا، غاصبا، يرانا عبيدا، بل أسوأ، لا، هذا ديدنه، هذه استراتيجيته، يعلنها صراحة بلا خجل، ويدفع بكل أدوات القتل والموت والحرمان لينفذ خططه، لايهمه وصلك رغيف خبز أم لا، جعت عريت، تشردت، شوي أطفالك في الأفران، طبخ لحم ابن سيدة وأطعمه لأمه وهي لا تعرف، هذا كله لا يعنيهم بشيء.
ولكن، ماذا عمن أثروا من دمنا، ورغيف خبزنا، ماذا عن التجار (أكثرهم) ماذا عن المحتكرين، ماذا عمن صار يلفظ اسم الدولار وهو بالكاد كان يتهجى اسمه، ماذا عمن يرفع كل لحظة الأسعار بحجة أن الدولار قد ارتفع، المخازن مملوءة بل مكدسة بكل شيء، بلحظة ما يقفز سعر الصرف، يكدس الفاحشون ثراء على ثراء، ويخرج عليك من يبيعك الوهم، من يسوغ لهم، كم تمنينا أن يتم نصب المشانق لمن يتاجرون برغيف خبزنا، كثيرون منهم فروا خارج البلد وكانوا يتخذونه فندقا ومغنما، وبعضهم الآن يريد الحصة، يتاجر بالمواقف، والفقراء نحن ندفع الثمن، تقاتل من أجل اسطوانة غاز، وربطة خبز، تقطع أشجار الزيتون لتدفيء أطفالك، يعدم بستان البرتقال لأن إنتاجه صار عبئا، وتسمع تصريحات المسؤولين، تقول: ما أروعهم، ما أرق قلوبهم، معمل عصائر يأخذ من المناقشات دهرا، من أجل أن يبقى فلان وفلان يستوردون المكثفات.
خطط واستراتيجيات معظمها على الورق، بعضها يضحك حد البكاء، يخططون وكأننا في سويسرا، يفرون من الواقع إلى عشرات السنين القادمة، ينسون الاحتياجات الأساسية للمجتمع، يعضنا الفقر بأنياب من قهر وخذلان وموت، نحشر كما المكدوس في باصات نقل، من أعوام وهم يقولون سوف تجدد، ولكنك ترى في الشوارع أفخم الماركات من السيارت الحكومية، أو الخاصة، بعضها يحتاج كازية تلحق به، والفقير يحرم حتى من خط سير مؤسسته، والحجة توفير.
لابأس، ليكن، لو ثمة عدالة، مجرد ظل عدالة اجتماعية بدءا من الضريبة إلى ..قلنا نحن معكم، أيها السادة: نعيش الخذلان، خذلان من كل لون وصنف، لكن يقيننا بجيشنا بدماء شهدائنا، يسري بنا إلى أفق الصبر والفجر النقي بدماء الشهداء، وطهر سورية.
ديب علي حسن
التاريخ: الجمعة 3-5-2019
الرقم: 16970