استفاق الاتحاد الأوروبي على تحالف استراتيجي بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا “AUKUS” دون إعلامه بفحوى هذا التحالف وأسباب استبعاده عنه وخاصة فرنسا وألمانيا اللتان تعدان عصب هذا الاتحاد وحلف شمال الأطلسي في القارة العجوز.
هذا التحالف بأبعاده الجيوسياسية لم يكن ابن ساعته وإنما حصيلة مشاورات سرية بين الدول الثلاث منذ أشهر تمت بعيداً عن حلف الأطلسي وبشكل يفتح الباب واسعاً عن مستقبل هذا التكتل العسكري والسياسي الذي يعاني تصدعات وتباينات أظهرها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي حاول إحداث تغيير جوهري في آليات الحلف العسكرية والمالية.
لم يتأخر الرد الفرنسي على إعلان التحالف واعتبر هذا الخيار الأميركي “خيانة وطعنة في الظهر وقراراً على طريقة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب وتوجهاً مؤذياً يهدف إلى إقصاء حليف أوروبي مثل باريس من شراكة مزمنة”، الأمر الذي يوضح مدى الانزعاج الفرنسي من غدر واشنطن وفي نفس الوقت محاولة حرمانها من المصالح في منطقة المحيط الهادي وخاصة في علاقاتها مع أستراليا التي تعرضت لهزة بعد تراجع كانبيرا عن شراء صفقة غواصات تقليدية فرنسية أبرمتها في 2016 مع مجموعة “نافال غروب” الفرنسية للصناعات الدفاعية.
الموقف الفرنسي لم يتوقف عند وصف اتفاق الشراكة البريطاني الأسترالي الأميركي بالمؤذي والإقصائي والمؤسف وذهب إلى أبعد من ذلك حيث اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن هذا التحالف يدعو إلى طرح مسألة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي للدفاع عن المصالح والقيم الأوروبية في العالم، وألحقته باستدعاء السفير الفرنسي من واشنطن وكانبيرا.
إن تداعيات هذا التجاهل الأميركي للشركاء الأوروبيين ستتفاعل تدريجياً ولكنها لن تؤدي إلى تبلور موقف حازم يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة حساباتها لأسباب عديدة منها الدور المأمول لأستراليا في صراعها المتصاعد مع الصين التي تعتبرها المهدد الأول لزعامتها العالمية والخلافات داخل الأطلسي وبين الدول الأوروبية حول الكثير من القضايا وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة.
الرد الصيني الذي تضمن دعوة واشنطن إلى التخلّص من عقلية الحرب الباردة والتحيّز الأيديولوجي لم يخرج عن سياقه المعهود والرصين في التعليق على سياسة واشنطن العدائية رغم تضمن الإعلان عن التحالف نصاً صريحاً بمساعدة أستراليا على حيازة غواصات نووية لمواجهة تنامي نفوذ الصين، ويعيد الخبراء ذلك إلى توخي الصين عدم توتير الأجواء إلى حين استكمال قوتها العسكرية التي تواكب سرعة التهديدات الأميركية.
أولى نتائج هذا التحالف والمتمثلة بتزويد أستراليا بعشرات الغواصات النووية توحي بحصر إطلاقه بالخطر الصيني وفي ذلك محاولة مكشوفة لامتصاص غضب الدول الأخرى الإقليمية كالهند واليابان اللتين لديهما خلافات حدودية مع الصين ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الوجود البريطاني يتضح أن أهدافه تتجاوز البعد الإقليمي لتمتد إلى الشرق الأوسط وافريقيا وصولاً الى أوروبا.
لقد توخت واشنطن ولندن وكانبيرا عدم استفزاز روسيا الاتحادية وغابت أي إشارة لدور موسكو التي تقيم علاقات استراتيجية مع الصين والهند ولها نفوذ عسكري وسياسي كبير في المحيط الهادي ووسط آسيا والذي يشكل التحالف خطراً كبيراً عليها الأمر الذي لن تقبله روسيا الاتحادية.
إن إنشاء هذا التحالف الذي سيزيد من التوترات في المحيط الهادي والعالم لن يكون بعيداً عن رؤية بايدن حول الشرق الأوسط التي يناقشها الكونغرس على نار حامية وذلك لأهمية هذه المنطقة التي تشكل الجبهة الخلفية لشرق ووسط آسيا بالنسبة لواشنطن وبريطانيا اللتين تسعيان مع أستراليا إلى تطويق المصالح الصينية والروسية والحد من تأثير نفوذهما المتصاعد على الساحة الدولية وبالتالي سيشكل تهديداً خطيرا للأمن والسلم الدوليين وسيعيد العالم إلى منطقة الحرب الباردة بكل مساوئها ويعبد الطريق أمام احتمال نشوب حرب كونية باعتراف أميركي ستؤدي إلى فناء العالم.
معاً على الطريق -احمد ضوا