بينما المركب الصغير يهتز بين ضفتين، تمنت لو أنها في منزلها تاركة كل هذا الجمال المبهر، والشمس على وشك الغروب والخيوط الملونة تنسل لتضفي على البحيرة بريقاً لامعاً…
لم يتمكن كل هذا السحر من انتزاع خوفها، ورغبتها بالعودة إلى مكانها المعتاد في منزلها الواسع حيث كل شيء في مكانه مرتب بعناية فائقة، متى تتخلص من كل هذه الفوضى والضجيج ..؟.
لم تفارق عيناها الضفة الثانية، وشعرت بأن الوقت أبدي، حين بدأت بالنزول من المركب لم تنتبه إلى جمالية المكان وسحره اللافت، بل جل همها تركز…كيف ستعود ثانية، والوقت شارف على المغيب.. ولم تستمع الى أي كلمة مما قيلت على المركب، كانت ذاهلة في عالمها، لا تدري كيف تورطت في قرار العبور..!.
رفيقها… الذي على ما يبدو اعتاد المكان منذ سنوات ثمان وهو يزوره باستمرار، كما كان يذكر مراراً في المركب، لا يبدو أنه يفهم سر شحوبها…ولا اضطرابها وقلقها البالغ، وهي شعرت بندم شديد وكأنها اتخذت قرار الصعود الى المريخ بقبولها عبور ضفة أخرى…!.
ابتسامة خائفة ارتجفت على شفتيها، وحين سألها ما الذي يشغلك…؟!.
انتبهت أنها رفضت فكرة عبور الضفة الأخرى ولا تزال قابعة في مكانها غير قادرة على الحراك، مجرد خطوات بسيطة إلى الخلف سارعت بعدها إلى الجلوس على مقعد قرب ممر يفصل بين الحديقة والبحر، لتظهر تلك الأنوار المضاءة البعيدة عنها أن بشراً لا يحصى عددها عبرت ومرت، دون أن تخشى الانتقال بين الضفتين…
حين نهض واقفاً مشت خلفه دون أن يشغلها الى أين يمضي، فقد كان ذهنها يراوغها كي تبدل اتجاهها في أي لحظة ينعطف باتجاه طريق لا اعتيادي…
حين تتالت الأيام وبدت كل تصرفاته آمنة، ومع ذلك لم تتمكن من التقدم قيد أنملة، ولا تجرأت على ركوب تلك المراكب قرب خور جميل، لحظاته الليلية لا تتكرر، شعرت أن العاصفة لاتهب من خارجها، إنما هي في داخلها وهي مستسلمة لها، أسيرة لها، المراكب لا تنقلب إلا في ذهنها، والعواصف الرملية لاتهب إلا داخلها…
حين نحمل داخلنا معنا أينما ذهبنا، وحين يكون هذا الداخل نتاج ظرف مؤلم، كم نحتاج للتمكن من عبوره أولاً…ربما بعدها نتجه بقوة نحو ضفاف لا نهائية…؟!!.
رؤية- سعاد زاهر