قد يكون البحث عن الأولويات وسط عشرات النواقص والحاجات مسألة مُربكة، ويحتاج إلى الكثير من العمل والاهتمام، أما أن يتم غض النظر عن هذه الأولويات والتوجه للعمل بالكماليات فإن ذلك قد لا يخدم مسيرة التعليم ولا يحل المشكلات التربوية والتعليمية العالقة هنا وهناك خلال الفترة الحالية.
والحديث هنا عن مشروع تركيب الكاميرات في المدارس لمراقبة الطلبة أثناء الامتحانات، هذا الخبر الذي تغص به وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن صرح السيد وزير التربية عن تركيب خمسة آلاف كاميرا في المراكز الامتحانية..خلال مناقشة عمل وأداء وزارة التربية تحت قبة مجلس الشعب..مما أثار ضجة لدى شريحة واسعة من المهتمين والتربويين.. فالبعض يرى أنه من غير المنطقي توجيه اتهامات الغش للطلبة بشكل مسبق، أو وعيدهم بالعقاب قبل أشهر من الامتحان، إضافة إلى أن ذلك اعتراف صريح بعدم جدوى وجود مراقبين في القاعات. علماً أن كل قاعة امتحانيه تضم رئيس القاعة واثنين من المراقبين. أما موضوع التنبيه بألا يبتلع الطالب قصاصة الورق حتى لا يتم كشفه فهي مسألة لها أبعادها النفسية والجسدية على الطلبة بشكل عام.
لقد أمضى طلابنا شتاءً بارداً وقاسياً بسبب نقص مازوت التدفئة في المدارس وعدم توفره إلا في مكاتب المدراء، وعانوا من الشبابيك المكسرة والمفتوحة والمقاعد المخلوعة، والنقص الشديد بالأوراق والمستلزمات وأعطال الكمبيوترات اللازمة لمادة المعلوماتية وغيرها من الأمور المعلقة في الكثير من المدارس وخاصة في الأرياف. والأهم من كل ذلك هو نقص المدرسين والكوادر التعليمية في غالبية الاختصاصات. وما ينتج عنه من مشكلات تتعلق بتراجع العملية التعليمية وكثرة الدروس الخصوصية وسلوكيات الشغب وغيرها من الأمور التي تؤثر بشكل سلبي على هذا القطاع الحيوي.
وعليه ولو نسي الطلبة معاناة الشتاء فإن الأمر ليس مختلفاً خلال فترة الصيف ويرى الكثير أنه من باب الأولى تركيب المراوح في الغرف الصفية أثناء الامتحانات بدلاً من تركيب الكاميرات التي ستكون تكلفتها تفوق تكلفة المراوح بعشرات المرات، أو القيام بمشاريع تركيب تخص الطاقة البديلة وتأمين الكهرباء للمدارس الفقيرة والبعيدة عن المدن ، لعل طلبتها يشعرون ببعض الاهتمام الذي يحظى به الطلبة في المدارس الخاصة أو الدول الأخرى، بدلاً من أن تحصر التربية تفكيرها بكيفية مراقبة المراقب أصلا.
ولو أغمضت الأعين عن عمليات الإصلاح المتتالية لهذه الكاميرات بعد فترة من تركيبها، ألا يحتاج إلى غرف للمتابعة وشاشات عرض وكابلات ومعدات فنية وعاملين وغيرها من المستلزمات التي تجعل من تكلفتها مشروعاً لم يحن وقته في ظل الظروف الحالية، وهل هي حالة طبيعة أن تكون المراقبة بالكاميرات على بعض المدارس دون البقية؟ وهل تطبيقها على المدارس العامة يحل مشكلة الغش في حين يوجد عشرات المدارس الخاصة خارج خطة المراقبة. وماذا عن العامل النفسي الذي سيعيشه الطلبة وهم مراقبون داخل القاعات وخارجها. لتصبح الكاميرا هي أقوى وسيلة لتوثيق وإثبات حالات الغش في العملية التربوية.