تصاحبنا الأرقام في تفاصيل حياتنا بطريقة ملازمة لنا لا تفارقنا، ونرانا مضطرين لاستخدامها دوماً، فهل يحمل الرقم نفس المعنى في كل حين؟
وهل يكون وقعه وتأثيره ثابتاً مهما تغير الزمان والمكان ؟
وهل يبقى الرقم ثابتاً مجرداً دوماً؟
يعرف جيلنا من دروس الحساب في المرحلة الابتدائية أن الليرة السورية لها أجزاء ومضاعفات، فهي تتألف من مئة قرش، كانت تقسم إلى، نصف فرنك، وفرنك، وفرنكين، وربع ليرة، ونصف ليرة.
أما مضاعفاتها فهي الخمس والعشر والخمس والعشرون والخمسون والمئة ليرة.
فقبل خمسين سنة تقريباً لم يكن هناك قطعة نقدية أكبر من فئة المئة، وكانت أجزاء الليرة ذات قيمة شرائية كبيرة، وتعود تسمية الفرنك الذي يعادل خمسة قروش إلى اصطلاح محلي في كل من سورية ولبنان لأمر يتعلق بسعر الصرف، فقد كانت الليرة تعادل عشرين فرنكاً فرنسياً، وهو ما كان يعكس قيمة العملة الوطنية في تلك الحقبة، واللافت هنا أن آباءنا وجدودنا لم يتعاملوا مع أرقام تفوق مرتبة الألف الذي يعني قيمة كبيرة، وهم اعتادوا أن يعطوا رقم المئة قيمة كبيرة، حتى إن مدير أحد البنوك اعتاد منذ سبعينيات القرن الماضي أن يعطي بعض العاملين في العيد قطعة من فئة المئة ليرة داخل مغلف جميل، داوم على إعطائها حتى العام الماضي حين توفاه الله.
وفي البيانات المالية للدولة وفي الموازنة كان عامل الرصد والمراجعة يستند إلى رقم الألف فقط ، وعندما بدأ رقم المليون ثم رقم المليار( بليون) يغزو حياتنا كنت أعتقد رغم ذلك أن هذه الأرقام هي حكر على الدول في موازناتها السنوية فقط ، أما أن تصير من موازنات الأفراد، فقد كان الأمر ضرباً من الخيال، قبل أن يتحول إلى واقع في جميع بلدان العالم، فهل ترك ذلك أثراً في المجتمعات وفي أخلاق أبنائها؟
يرى بعض علماء الاجتماع وعلماء النفس أن الاستهانة بالرقم المالي تحديداً، نتيجة ضعف القيمة الشرائية لوحدة النقد والحاجة لمبالغ كبيرة لشراء أشياء زهيدة قد ترك تأثيراً سلبياً في حياة الأسرة تمثلت في تراجع قيمة الوالدين، وخاصة مكانة الوالد في نفوس الأبناء الأمر الذي يتهدد بنية الأسرة، إذ لم يعد للقيمة الكبيرة أي أهمية في النفس البشرية، وهذا يمتد لمستوى أوسع بحيث يطول المجتمع وتتراجع القيمة الاجتماعية للشخصيات الاعتبارية كالمعلمين وأساتذة الجامعات والمديرين وأصحاب المناصب، وذلك أمر له منعكسات سلبية على المدى الطويل.
بعض الدول لجأت إلى محاولات بسيطة لم تؤد النتيجة المطلوبة، فقد حذفت إيطاليا ستة أصفار من عملتها (اللير) قبل دخولها في منظومة (اليورو) قبل واحد وعشرين عاماً، فاستعاضت بلير واحد عن كل مليون لير، لكن عامل التضخم لم يمهل الاقتصادات القلقة من مساوئه ليبقى تأثير ارتفاع رقم الشراء عاملاً سلبياً في حياة أفراد المجتمع قبل أن يكون عاملاً سلبياً في الواقع الاقتصادي نفسه.
واليوم إذ نطالع الأرقام الخيالية في أسعار العقارات والتي وصلت لمرتبة الأصفار التسعة، ثمناً لشقة في منطقة معينة، فإننا نشعر بحجم التعب اللازم لجني وتوفير هكذا مبلغ يمكن صرفه ببساطة، لكن تحصيله أمر شديد الصعوبة.
فما العمل؟