الملحق الثقافي – مها محفوض محمد:
لم يكن بعض الأدباء الفرنسيين بعيدين كثيراًعما يجري في السجون الفرنسية ، وقد صوروا بؤس الحياة فيها ،واليوم إذ نستعيد قراءة بعض الروايات التي كانت تتنبأ بما جرى منذ فترة قريبة قلنا أن نقف عند رواية ( حي الجيف )
وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يتناول فيها الكتاب حياة نزلاء السجون الفرنسية من الداخل غير أن الكاتب نان أروسواستطاع أن يتفوق على الجميع بتسليط الضوء على هذا المجتمع المغلق من خلال رواياته الخمس ذلك لأنه سجين سابق وهذا ما يميزه عن غيره.
وأشهر هذه الروايات رواية «فراشة» التي أحدثت ضجة كبرى وتحوّلت إلى فيلم نال عدة جوائز.
وكانت رواية حي الجيف قد صدرت عن دار ستوك الفرنسية وفيها يلخص الكاتب اقامته الجبرية في السجون الفرنسية مع مطلع ستينات القرن الماضي عندما انحرف نان عن جادة الصواب وابتعد عن الطريق السوي وهو في سن السادسة (مولود في العام 1951) لكنّه اكتشف خلال مطالعاته وإقامته الطويلة وراء القضبان موهبة الكتابة.
وقد استقطبت روايات أروسوالتي تميزها لغة الشوارع الخلفية للمدن الفرنسية اهتمامات دور النشر التي تبحث عن الجديد والمثير فكانت طباعة باكورة أعماله «أزرق ملتهب» عام 2005 ثم «الجاني ثانية «عام 2007 ثم «السماء فوق الرأس» عام 2009 وبعدها «عندما يقع الشر» عام 2010.
وتكشف هذه الروايات عالماً غريب الأطوار شبه خيالي لايصدقه القارئ لولم يكن الكاتب خريج سجون مظلمة، ففي أحدث رواياته «حي الجيف» يستخدم أروسوسيرته الذاتية لتعرية هذا المجتمع المنحرف في فرنسا (الجمهورية الرابعة والخامسة) على التوالي ويأتي هذا العمل شهادة جارحة للسلطات الفرنسية التي تدعي تحقيق شعارات ثورة لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ، ففي باريس عاصمة الأنوار كان والد نان بروليتارياً عاطلاً عن العمل يضرب زوجته عندما يفقد قدرته على إطعام أسرته المكونة من خمسة أطفال ووالدتهم العاملة في غسيل قمصان الرجال وكيها في منطقة معروفة بحي -مومارتر- حيث تنتشر مساكن الأغنياء وتجري أحداث حي الجيف بعد مرور عقد على نهاية الحرب العالمية الثانية حيث نزل اروسو يومذاك إلى الشارع ليختلط مع مجموعة غير متجانسة من أترابه فهناك أطفال عمال في تلك الشوارع الخلفية من هذا الحي وهناك رفاق سوء وأولاد من جماعات الغجر المتنقلة بين أزقة المنطقة وذلك قبل أن ينساق الى أعمال سرقة في سن مبكرة وينتهي به المطاف إلى انتهاك القوانين والجنوح في سن الخامسة عشر.
إنها باريس التي وصفها الشاعر اليساري جاك بريفير تعود إلى الحياة بقلم ذاك الطفل الأرعن الذي أصبح اليوم روائياً يعيش من قلمه.
وفي روايته «حي الجيف» يروي أروسوكيف كان خط التماس بين العاصمة الفرنسية وضواحيها قبل نصف قرن من الآن فعند هذا الخط تقع بوابة مونتروي حيث تنتشر أسواق الثياب المستعملة وهناك يتناول رواد المنطقة البطاطا المقلية يوم الأحد (وهوطبق ممتاز بالنسبة للفقراء) في حين يزور الأطفال برفقة أمهاتهم شارع أفرون المجاور حيث تباع الخضار والفواكه الطازجة القادمة من الضواحي القريبة لهذا الحي يوم السبت.
وتزدحم القصص التي يرويها خريج السجون هذا – الذي يطمح السير على خطا جان جينيه المسرحي الفرنسي الذي اكتوى بنيران السجون الفرنسية الحارقة خلال سنين مراهقته – بلغة الأزقة الباريسية القذرة والمظلمة حيث يركض الصبية وراء فضلات قمامة الاغنياء لسد جوعهم ولا ينس أروسو أن يشير إلى شهادته التي أدلى بها في الحادثة المأساوية التي هزّت قطار الأنفاق في محطة حي الجيف يوم 8 شباط 1962 وكان نان أبرز شاهد فيه لا بل الشاهد الملك، يوم قامت شرطة بابون (الملقب بجزار باريس) بإعدام مجموعة من الشبان المراهقين المتسكعين في الحي بمن فيهم الحدث دانييل فيريه ويذكر اروسو في روايته أسماء القتلى الذين قامت الشرطة بتصفيتهم تنفيذاً لأوامر بابون قائد شرطة باريس انذاك بالتعاون مع المفتش دوسير وزميله دوفيرون الذي تلقى أمر إغلاق شارع فولتير وساحته لتتم عملية محاصرة المتسكعين بين فكي كماشة كما يتطرق اروسو لممارسات البوليس الفرنسي العنيفة غير الأخلاقية وقد عرف بين وجوه الشرطة قتلة كانوا يتدربون على تعذيب المساجين الناشئة من لقطاء الأحياء الفقيرة وقد طردت هذه المجموعة من الشرطة نان واخوته الأربعة من كوخ استأجره والده في أقبية أحد المنازل التعيسة.
ثم يتطرق أروسو إلى مشاكل الطبقة الكادحة في فرنسا ومعاناتها خلال النصف الثاني من القرن العشرين مع غياب العدالة والمساواة في تلك الشوارع كما جاء في رواية «حي الجيف».
ترى هل سيعود الروائي الآن إلى كتابة جديدة عما جرى ، ويلتقط صوراً من الروح العنصرية التي تمشي في الشوارع ، وتضرم النار بالآخر ليكون داخلاً حي الجيف ؟
العدد 1153 تاريخ: 1/8/2023

السابق