أحياناً نُجبر على البُعد بسبب الحبّ..
وكأن البعد يصبح دليلاً قطعياً، على الحبّ.. لا العكس.
الحبّ في البعد.. الحبّ عن بعد..
أو البعد في الحبّ.. ولأجل الحبّ.
البعد يعني مسافة..
بينما يفترض الحبّ القرب.. الاقتراب.. التماس.. الوصل.. الاتصال..
فكيف يمكن أن يسير هذان النقيضان إلى جانب بعضهما..؟
أُحجية الحبّ عن بعد لم تُحلّ بالنسبة لها.. فالحبّ بحدّ ذاته لغز الألغاز..
فكيف إن كان عن بعد..
البعد يزيدها خيالاً..
فتبتكر عشرات الحكايات.. والأسرار.
شيطنات خيالها تنتعش مهما ابتعدت.. وكلّما ظنّت أن شوقها خمد بسبب المسافات عاد ليزداد بسبب منشط (الخيال) الذي تمتلك..
كأنها تطبّق رأي “رومان غاري” بأن ما يحتاجه الحبّ هو المخيلة.. وللوصول إلى هذه المخيلة تتوسّل البعد.. فيزيدها جنوناً وشغفاً.
تنبت بذور الحبّ من أشياء بسيطة وتفاصيل صغيرة..
كيف تحوّلت معها إلى غابات من عشق، لا تدري.
بذور حبّه.. غدت أشجاراً سامقة في قلبها.
للأشياء غير المرئية رائحة نفّاذة أكثر من الأشياء المرئية..
لحبّه رائحة لا تغادرها..
زُرعت في تلافيف دماغها.
البعد يجعل الأشياء ثابتة.. فلا تزداد السلبيات..
وتنمو الذكريات.. تتكاثر بدفق حميمي..
تماماً كما في فيلم (الجمال الجانبي)،الذي يتحدث عن القدرة على استنباط شيء إيجابي مهما بدت الحالة سلبية وطغى سوؤها..
وبالتالي الحفاظ على جماليات وإيجابيات من نحبّ.
ليس البعد “تقنية دفاع ذاتي” تستخدمها متى شعرت بنقصان الحب، على العكس تماماً..
تلجأ إليه للحفاظ على صورة الآخر.
حين نُجبر على البعد في الحبّ أو الحبّ عن بعد، علينا أن نستثمره كأفضل ما يكون،كأن نعتاد قلب السلبي إلى إيجابي.
هكذا تصحح الأشياء وتكتمل الصور، فنطرد أي نقص يعتريها.
في البعد، نكتشف للحبّ أبعاداً غير مرئية.. يتمدّد ليصبح غير قابل للقياس.. فلا حيز يتسع لأمدائه.
