الثورة- ديب علي حسن:
تمر هذه الأيام ذكرى شاعر الآلام والكبرياء الشاعر العربي السوري نديم محمد، شاعر الرفض لكل قبح، شاعر اللهفة للحياة والحب والعطاء، شاعر الجمر المتقد في حياته كما في شعره، كبرياء الألم والأمل، واحد ممن أعطوا الشعر كل شيء، ولو كان يجيد تسويق إبداعه وشعره وترجمته إلى اللغات العالمية لكان فاق شهرة رامبو وبودلير، وهو بالإضافة إلى الحزن والألم والكبرياء، شاعر المواقف الوطنية والقومية.
يقول الناقد جمال ملحم في دراسة عنه: في شعر نديم محمد يمتزج الهم الوطني بالهم القومي، فهو يرى الوطن العربي كله بلاده، والاستعمار الذي ابتلي به يراه واحداً لا يتجزأ، فليس هناك فرق بين استعمار فرنسي لسورية ولبنان، وبين استعمار إنجليزي لمصر والعراق، أو إيطالي لليبيا، إنه استعمار واحد للوطن العربي، هذا الوطن الذي يعبر عنه شاعرنا بلفظة “بلادي” فيقول بألم جريح وغاضب ثائر:
داس مهرُ الغريب وجه بلادي
وارتعى جلد خدّه المعفور
فقعدنا وأذِلّةَ السيف مغموداً،
فثوري يا نخوة السيف ثوري
ولكنّ بلاد الشاعر التي ثارت وضجت ونالت الاستقلال، تصاب بجرح في الصميم، مُدية خلّفها المستعمر مغروسة بقوة في القلب من الوطن العربي، إنها فلسطين، وقد قُسِّمت وطُرد أهلها، وهاهو ذا الشاعر يرى إخوته اللاجئين يعضهم ناب المنفى والبؤس والغربة:
وعلى الطريق، سخاب أطفالٍ وسائلةٌ زريَه
قَذفوا بها وبهم ضحايا من فلسطين الضحية
والموت يحصدهم بأنياب الوحوش الآدمية
وهنا تتفجر مرارة الشاعر، غضباً مقدساً، وتقريعاً للعرب النائمين على الهوان، المُغضين على هذا الذل، مكتفين من الحياة بالعجز والتواكل والصلاة، من دون فعل.
ويظل جرح فلسطين مفتوحاً في القلب لا يندمل، ويعيش الشاعر ينتظر يوماً يتحرك فيه العرب لإنقاذ القدس الجريح، ويطول انتظاره، فيذكِّرهم بأن الحق يؤخذ ولا يُعطى:
منارُ القدس ملتفتٌ
وركنُ البيتِ إيماَء
ومن حجرٍ سمعت الـو
حي تهدر فيه عصماءَ
خذوا بالسيفِ ما غَصبوا
فليس الحق إعطاءَ
ولكن إذ يطول انتظار الشاعر، ويطول الصمت العربي، تندلع مرارة الأسى في نفس الشاعر، فيرفع صوته مُعرّياً الواقع المخزي، كاشفاً النقاب عن الوجه الممرّغ وفاضحاً زيف لبوس المجد الذي يتستر به حكام العرب فيقول:
أمن اليهود نغضُ أطـ
ـراف الأسنّة والصّفاحِ
ونهزّ تحت أنوفهم
دعوى المروءةِ والسماحِ
ذلٌّ صراخ الوجه نحسـ
ـبه من العزِّ الصُّراحِ
يتبين لنا أن قضية فلسطين، هي قضية رئيسة، حية، في ضمير الشاعر وحياته، وليس تناوله لها آتياً من الخارج، أو تناولاً وصفياً يعتمد فن الشعر إطاراً لها، الشاعر هنا فلسطيني منكوب جريح، كأي فلسطيني آخر، وفلسطين، هي النقطة المركزية التي يتفجر منها إبداع الشاعر، إنها الشكل والمضمون معاً، وتظل فلسطين، الحلم المُعذِّب الذي يرقب الشاعر تحققه، ولقد رأى بوارق هذا الحلم تومض في خطُا الفدائيين، الذين قرروا، أن يحركوا في مسار الأيام، ويفجروا حالة السكونية، جاعلين من الشهادة قرباناً من الأمل والموعد بالعودة إلى الوطن، يقول في وصف فدائية:
قالت وفي صوتها أظفار عاصفةٍ
تمزّق الأرض، نيراناً وطوفانا
لتشهدِ الأرض عند البيت موعدنا
وبين جنّاته الخضراء لقيانا
أما الدكتور عادل فريجات فقد توقف عند رومانسيته فهو حسب ما يرى أنه كان (إنساناً رومانسياً وشاعراً رومانسياً، بكل ما في الرومانسية من معانٍ، وقد تماهى شعره بحياته، فشكَّل مثلَها لوحةً راشحةً بالدمع والألم، فقد عاش الشاعر عمراً مزَّقَتْه أحلام عصيّة على التحقّق، وحياة أَبْهظتها أمنيات صعبة المنال، وأياماً أشقاها شعور بالتناقض الحاد ما بين المثال والواقع، والخير والشر، والجمال والقُبْح، والحب والكره، والصدق والزيف، والعدل والظلم، والغنى والفقر، والعفَّة والتهتّك، والرفعة والدناءة… إلى غير ذلك من المتناقضات المتقابلات في الكون والحياة والنفس الإنسانية، وإزاء هذه الثنائيات راح الشاعر يعبّر عما يعجبه في الحياة، وعن مسعاه فيها، فكتب يقول:
“عشتُ ليعجبني تمرُّد الشقاء، وكبرياء العسرة، وعرم العذاب، وعشت كذلك لأسامح، ولأقطف وأسكر من ورد الحياة، ومن خمر الشباب بمقدار ما تصل إليه يدي، ويسعه جهدي… وهكذا كنت أغرف من قلبي، وأعطي من دمي أسود- أحمر، أبيض- أخضر… وهكذا انهمر شعري دخاناً وعطراً، وانْسَفكتْ حياتي ظلاماً وفجراً، فأنا -كما رأيت- مزيج اللونين، وعجنة النقيضين: المرح والملالة عندي صنوان، والألم والغبطة، في نفسي تَوْأَمان
وتأمُّلُ هذه العبارات يدلُّ دلالة قاطعة على رومانسية الشاعر، فالمعروف أن الفن الرومانسي- كما يقول (شليجل)- يرتضي التقارب المستمر بين أكثر الأشياء تناقضاً، إن الطبيعة والفن والشعر والنثر الرصين والمسلّي، والذكرى والحدس والأفكار المجرّدة والإحساسات الحيَّةُ، وما هو إلهي وما هو أرضي، والحياة والموت، تجتمع كلها وتتمازج بأكثر الطرق حرارة في الفن الرومانسي.
بطاقة
ولد نديم محمد في عام 1908 في قرية عين شقاق في قضاء جبلةـ محافظة اللاذقية.
تعلم القراءة والقرآن في القرية على يد شيخ الكتاب أولاً، ثم أرسل إلى المدرسة في قرية (العنازة) في منطقة بانياس الساحل، لتعلم قواعد اللغة العربية ومنها مدرسة (الفرير) في اللاذقية، ثم إلى جبلة ونال منها الشهادة الابتدائية في عام 1925.
وفي عام 1926 أرسل إلى مدرسة اللاييك في بيروت، وبعد سنة ونيف سافر إلى فرنسا لإتمام الدراسة في جامعة مونبيلييه حيث حصل على الإجازة في الأدب العربي، وانتقل إلى سويسرا لدراسة الحقوق، ولكنه عاد في عام 1930 لأسباب خاصة دون أن يكمل دراسته.
شغل العديد من الوظائف بدءاً من عام 1933 وكان في جميعها مشاكساً، وكان آخرها مديراً للمركز الثقافي في (الحفة) ثم خبيراً في وزارة الإعلام، حيث عاوده المرض الذي كان قد أصيب به في عام 1939 وهو التدرن الرئوي، وأدخل في مصح (بحنس) في جبل لبنان، وفي أواخر أيامه تعالج في مشفى المواساة في دمشق إلى أن توفاه الله في بيت ابن اخيه وحافظ تراثه الأدبي غسان حسن في قرية عين شقاق في السابع عشر من شهر كانون الثاني عام 1994 عن عمر ناهز السادسة والثمانين.
أشهر دواوينه «آلام» بثلاثة أجزاء.
قال عنه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن ديوانه (آلام) في مؤتمر الأدباء العرب في بلودان: «لو لم يكن لهذا الشاعر إلاَّ هذا الديوان فحريٌّ بالشعر العربي أن يضمه إلى فحوله الكبار، وقد منحه القائد المؤسس الرئيس حافظ الأسد وسام الاستحقاق السوري.