حيدر حيدر وحبر الزمن الموحش

الملحق الثقافي- سلام الفاضل:

لم يشغل روائي عربي بعد نجيب محفوظ ما شغله حيدر حيدر لاسيما بعد روايته «وليمة لأعشاب البحر» التي مازالت أمواج الحديث عنها تتلاطم، حبر كثير سال عنه وعن إبداعه، قبيل رحيله وبعده.
في موقع موسوعة السؤال كتب سليم حسين عن حيدر حيدر قائلاً:
يعدّ حيدر حيدر واحدًا من كتّاب الرواية السوريّين الذين أثاروا جَدلًا كبيرًا في عالم الأدب والرواية على مستوى الوطن العربيّ، وهو من مواليد عام 1936 للميلاد من قرية حصين البحر في محافظة طرطوس السّورية، وقد قدّم حيدر حيدر مجموعة من الأعمال والمؤلفات والتي كانت في أغلبها مُستقاة من أحداث واقعية عاشها في مرحلة شبابه، وممّا يجدر ذكره أن من يقرأ كتابات حيدر حيدر يستطيع أن يعرف تفاصيل حياته الشخصيّة منها، وهذا يؤكد ميله إلى الواقعية في كتاباته، وكان يتصف بشخصية متمردة، ولذلك كثيرًا ما اصطدم مع رفاقه في الحزب وفي اتحاد الكتّاب أيضًا، ومما تَميّز به حيدر حيدر أنه كان يحب قراءة الشعر مع أنه كن روائيًا إلا أنه كان يرى أنه من الضروري أن يكون مطلعًا على الفنون الأدبية جميعها، لا أن يقتصر على فنٍّ واحد، ولعل ما شعر به من تهميش له في عالم الأدب والنقد هو ما دفعه لكتابة روايات مثيرة للجدل في الأوساط الأدبية.
تعلّم حيدر حيدر في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في محافظة طرطوس مسقط رأسه، وفي عام 1951 للميلاد التحق بمعهد المعلمين التربوي في مدينة حلب أتم دراسته فيه وتخرج في عام 1954 للميلاد، وبعد أن أنهى دراسته سافر إلى دمشق، وكان مشاركًا في تأسيس اتحاد الكتاب العرب كما أنه كان عضوًا تنفيذيًا فيه، وفي البحث عن حياته العملية ورد أنه سافر إلى الجزائر في عام 1970 للميلاد ودرّس في مدينة عنابة إضافة إلى ما كان ينشره من كتابات ومقالات في المجلات الأسبوعية والشهرية في سورية، وفي عام 1974 للميلاد عاد حيدر حيدر من الجزائر إلى دمشق وترك العمل بالتعليم، ثم سافر إلى لبنان وعمل مراجعًا ومصححًا لُغويًا في إحدى دور النشر في بيروت، وعندما بدأت الحرب اللبنانية في تلك الفترة التحق حيدر حيدر بالمقاومة الفلسطينية وذلك في إطار اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وفي أوائل الثمانينات غادر إلى قبرص وعمل فيها لمدة سنتين وكان مسؤولًا عن القسم الثقافي في مجلة الموقف العربي الأسبوعية، ثم عاد إلى لبنان، وبعد أن انتهت المقاومة الفلسطينية في بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي في تلك الآونة عاد حيدر حيدر مرة أخرى إلى قبرص وعمل مسؤولًا عن القسم الثقافيّ في مجلة اسمها صوت البلاد الفلسطينية، وبعد هذه الرحل التي تنقل فيها حيدر حيدر بين البلدان عاد إلى سورية وتفرغ للعمل الأدبي والتأليف.

تجربة حيدر الأدبية
عند البحث عن بدايات الكتابة والتأليف عند الروائيّ حيدر حيدر يتبين أن الميول الأدبية بدأت تظهر عند حيدر حيدر عندما كان في السنة الثانية من دراسته في المعهد، وقد نَمَت هذه الميول وتطورت بتشجيع أساتذته وأصدقائه في المعهد وصدر أول نتاج له وهو قصة قصيرة كتبها تحت عنوان «مدارا» ونُشرت في مجلة محلية تُباع في مدينة حلب، وعندما انتقل حيدر حيدر إلى دمشق كان المناخ الأدبي مشجعًا له على تنمية موهبته في الكتابة والتأليف، إذ كانت دمشق تعج بالكتاب والمثقفين وفيها حركة ثقافية نشطة ومزدهرة، وهذا ما ساعده على البدء بنشر قصصه في دوريات أسبوعية وشهرية في دمشق، كما كتب مجموعة من القصص في مجلة الآداب اللبنانية، وهذه القصص جمعها في مجموعة قصصية تحت عنوان «حكايا النورس المهاجر»، وبعد مشاركته في تأسيس اتحاد الكتاب العرب نشر مجموعة قصصية أخرى، ومما يجدر ذكره أن الكثير من قصصه تمت ترجمتها إلى اللغات الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية وهذا يدل على ما تزخر به أعماله من نقل لأحداث مهمة واكبها في سورية لا سيما فترة الخمسينات وما فيها من اضطرابات سياسي وانقلابات عسكرية وأحداث مهمة غيرت مجرى التاريخ، كما أن كتب حيدر حيدر طُرحت كموضوع لكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه في عدة بلدان عربية منها المغرب وتونس ومصر والأردن.

مؤلفات حيدر حيدر
تنوّعت الأعمال الأدبية التي كتبها الروائي حيدر حيدر ما بين القصص والروايات والوثائق، وكان لهذه الأعمال صدى كبير ولا سيما روايته وليمة لأعشاب البحر التي حظرتها بعض الدول العربية ومنعت تداولها وطبعها وبيعها، ولعل التنوع في كتاباته جاء نتيجة لتنقله في الكثير بين البلدان وتعرفه على شخصيات مختلفة إضافة إلى ما شهده من أحداث في كل مكان نزل فيه ومن أشهر المؤلفات التي تركها حيدر حيدر:
حكايا النورس المهاجر: مجموعة قصصية صدرت عام 1968 للميلاد بطبعتها الأولى في وزارة الثقافة في دمشق، وطبعتها الثانية صدرت عن دار الحقائق في بيروت عام 1977، والطبعة الثالثة صدرت عن دار ورد في دمشق عام 1999 للميلاد، وهي تضم مجموعة من القصص التي كان ينشرها في الدوريات الأسبوعية.
وليمة لأعشاب البحر: رواية صدرت عام 1983 للميلاد وتدور حول مناضل شيوعي من العراق هرب إلى الجزائر، والتقى بمناضلة قديمة شهدت عصر انهيار الثورة، ويتحدث فيها عن الخراب الذي لحق بالمناضلين، وقد منع الأزهر في مصر طباعة الرواية ونشرها لأنها تخرج عن حدود الدين الإسلامي في كثير من تعابيرها الزمن الموحش: صدرت هذه الرواية عام 1973 للميلاد، وصُنفت في المرتبة السابعة ضمن قائمة أفضل مئة رواية عربية، وجعل حيدر حيدر في هذه الرواية الشخصيات المثقّفة تتبنى الموقف العلماني، الذي يرفض التراث ويدعو للنظر إلى المستقبل في ضوء الحاضر الذي تعيشه، وقد صدر لهذه الرواية خمس طبعات من دور نشر متعددة.
مرايا النار: رواية صدرت بطبعات متعددة وتشتمل عى حكايات متنوعة وهي في أغلبها خيالية، ولكنها ذات معنى في أغلبها، وفي بعض الحكايات يوجد هراءات كما وصفها الكاتب، وحكايا غامضة وواضحة في الوقت نفسه.
ويكتب الراحل عادل محمود عنه كما يقول موقع الميادين إنّ حيدر حيدر واحد من أهم الكتّاب الذين ميّز أسلوبهم الروائي الجمع بين السرد والثقافة، وإعلاء اللغة إلى مرتبة المشاركة الأساسية في بناء العالم الروائي.. إذ يدمج في عمله بين الحادثة (القص) والبيئة والقيم الحاكمة، ذاهباً إلى الأفق التراجيدي لأبطاله.. يضيف محمود أنّ حيدر «كاتب متوتر، نزق، صادق، يبحث في كل كتاب عن مفارقة الواقع والحلم، الثورة والتغيير والنمو، والثبات فالاستنقاع فالتعفّن».
مزج حيدر شكل حياته بجوهر أدبه، «فكان غريباً لأنه غريب، ومنفياً لأنه منفي، ومضاداً للسائد لأنّ ما حولنا كلّه يجب أن يُباد، ليؤسس على أنقاضه عالم الإنسان العادل السعيد الجميل».
تُقدَّم رواية «الفهد» بنسختها الصادرة عن «دار البعث»، وزارة الثقافة 2004، بحوار سابق مع حيدر حيدر للكفاح العربي (2003)، يتحدث فيه عن اللغة والرواية والتاريخ والثقافة وعن بعض أعماله.
عن «وليمة لأعشاب البحر» يقول: «كان لا بدّ من الإحالة على السقوط المأساوي والسقوط التراجيدي لما جرى في الجزائر والعراق كبلدين عاشا خضم تجربة ثورية، كلٌّ منهما مختلف ومتقاطع في آن، عبر مخاض منكسر، تقاطع فيه الأمل مع الخيبة، والنهوض مع السقوط، والحرية مع الاستبداد، والموت مع الحياة.. وهما في البعد الروائي والواقعي تعبيران عن انهيار الحلم ودورة التاريخ العربي وهو ينحرف نحو الهاوية».
أما عن «الفهد» فيقول إنها كتبت في مرحلة كانت تدعى بالنهوض العربي، والحركات الثورية الغاضبة في العالم وفي الوطن العربي. ويضيف: «في ذلك الزمن كان هناك أمل بتغيير العالم لمصلحة الفرد والمجتمع والمستقبل». كما يذكر أيضاً أنّ «نافذ علّان» في عمله «حقل أرجوان» يتقاطع مع «بو علي شاهين» في «الفهد».
كذلك يتحدث حيدر عن روايته «الزمن الموحش» بالقول إنها «محاولة لرصد الحالة والإيقاعات الاستلابية، الهجينة بين الريف والمدينة، اقتراب من دهشة الريفي وهو يصطدم بالمدينة ومن ثم محاولة التأقلم في هذا المناخ الجديد… ومقابل هذا هناك المناخ الثقافي السياسي الطلق والحيوي في المدينة على عكس الريف المغلق والفقير سياسياً وثقافياً».
في معرض حديثه عن التجارب الروائية التي أثّرت في مساره الروائي الخاص يذكر حيدر تجارب جويس وبروست وفوكنر وشتاينبك وكونراد وفرجينيا وولف وكازانتزاكي ود. ه. لورانس وكتّاب أميركا اللاتينية، كما يتحدث عن قراءته المبكرة لدوستويفسكي ودون كيخوته والكوميديا الإلهية.
وبالنسبة له فإنّ الثقافة الأدبية في جوهرها أبعد من قراءة الرواية الأدب، بل هي معرفة عمومية وكونية في حقول أخرى كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأسطورة والتراث والتاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا والاقتصاد والنقد والشعر والسينما والمسرح والموسيقا.
رحل حيدر حيدر عن عالمنا إذاً، الذي كان واقعاً في «ألعن ورطة» كما قال «..»ورطة الكتابة بعد الورطة الكبرى وهي الحياة».

                          

العدد 1176 – 30 -1 -2024    

آخر الأخبار
مشاركون في معرض دمشق الدولي لـ"الثورة": عقود تصدير وجبهات عمل من اللحظة الأولى  معرض دمشق الدولي .. عندما تحوك سوريا ثوب السياسة بخيوط الاقتصاد  توطيد التعاون التربوي مع هيئة الاستثمار السعودي لتطوير التعليم الافتراضي  د. أحمد دياب: المعرض رسالة اقتصادية قوية ومهمة  د. سعيد إبراهيم: المعرض دليل على انتعاش جميع القطاعات "نشبه بعضنا" أكثر من مجرد شعار.. الجناح السعودي يتألق في معرض دمشق..  بعد استكمال إجراءات فتح طريق دمشق- السويداء.. دخول أول قافلة مساعدات أممية إلى المحافظة محمد كشتو لـ"الثورة": المعرض نافذة حقيقية للاقتصاد السوري "المالية" تطلق "منصة الموازنة" لتعزيز كفاءة إعداد الموازنات الحكومية في جناح " الزراعة " منتجات للسيدات الريفيات المصنّعة يدوياً.. مساحة تفاعلية تجمع بين الخبرة والإ... تشغيل بئر مياه جديدة في حمص خطة شاملة لتعزيل وصيانة المصارف والأقنية في الغاب لعام 2025 انضمام المصارف إلى نظام SWIFT.. بوابة نحو عودة الاستثمارات وتعافي الاقتصاد مشكلة مياه الشرب مستمرة.. وبصيص نور كهربائي في تل الناقة طريق حلب- غازي عنتاب.. شريان سوريا الشمالي يعود للحياة من جديد منظمات خيرية تدعو لدعم فوري.. إشادة واسعة بمكافحة التسول في حلب وائل علوان لـ" الثورة": معرض دمشق الدولي منصة لتثبيت استقرار سوريا  معرض دمشق الدولي الـ62.. سوريا تفتح أبوابها مجدداً للعالم أونماخت يؤكد أهمية استمرار الحوار والتعاون البناء مع سوريا  "سيريتل" تطلق عهداً جديداً للتواصل والخدمات