التجريب والتريث والتراجع عن القرارات سمة مميزة لسنوات عمل الجهات التنفيذية في تعاملها مع ملفات وقضايا ترتبط بالشأن الاقتصادي والنقدي والمعيشي دون إدراك منها لتداعيات سياساتها تلك على الوضع العام في بلد يمرّ بأصعب الظروف وعلى حياة الناس فيه، لذلك كان فقدان الثقة بجلّ قراراتها حتى لو كانت إيجابية هو من غلّف العلاقة بين الطرفين وعرضها لسهام التهم والنقد من الناس لعدم قدرتها على إدارة ملفات مهمة بطريقة صحيحة مبتكرة.
وفي كل مرة كانت تتراجع فيها الجهات التنفيذية وغيرها من المؤسسات والإدارات عن قراراتها كنا نعتقد أنها لن تقع مجدداً في فخّ اتخاذ القرارات المتسرعة لا السريعة التي نحتاجها أحياناً خاصة وأن غالبية تلك القرارات جاءت مع استلام وزير جديد أو مدير عام لمنصبه وتسببت بحالة من البلبلة، ندخل نحن كمتابعين وشارع ومختصين في حالة التساؤل الأبرز هل نمتلك مالية اقتصادية زراعية صناعية واضحة تطبق بغض النظر_ بقي مسؤول أو ذهب أو أننا نخضع فعلاً لما يتفتق عليه مزاج بعض المسؤولين، وهذا التساؤل لم يأت من فراغ بل من سنوات من التعامل مع مثل تلك القرارات غير المدروسة ومنها على سبيل المثال لا الحصر مجموعة القرارات المالية النقدية التي أصدرها المصرف المركزي في عام 2018 وتراجع عنها بعد أيام نتيجة الفوضى التي خلفتها، وتوجه وزارة التربية لتحويل بعض المدارس العامة لخاصة واستثمارها من قبل القطاع الخاص والتراجع عنه بعد استلام وزير جديد للوزارة.
ويبقى القرار الأخير الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء بالتريث في تطبيق نظام الحوافز هو الأكثر إثارة للجدل، لأنه أولاً أوقف تطبيق مرسوم، وثانياً تضمن كلمات مثل للتريث وحتى إشعار آخر ترتبط بذهن الناس بأن الموضوع نام وقد يمضي عام آخر لا يحصل فيه العاملون عن أحد حقوقهم وهي الحوافز المنتظرة لدعم الراتب الوظيفي المتدني.
الجهات المعنية ورغم مسارعتها لتقديم المبررات التي دفعتها للتريث في تنفيذ مرسوم جمهوري، إلا أن المؤشرات والمعطيات الأولية لصدى تلك التبريرات في الشارع السوري والذي تناقلته صفحات التواصل الاجتماعي وحتى الإعلام الرسمي لا تبدو مقبولة بل ونالت نصيبها من الانتقاد لا بل تركت مفعولها المباشر على إحدى المؤسسات الصناعية الإنتاجية، إذ دق مديرها ناقوس الخطر بتوقف الإنتاج جراء تسرب عدد كبير من عمالها بعد قرار التريث الأخير.
إعادة الطمأنينة للعمال وضمان حقوقهم أمر ضروري وعلى اللجنة المشكلة تصحيح الأخطاء في نظام الحوافز والإسراع في إنجاز مهمتها لصرف مستحقات الحوافز والعلاوات لمستحقيها.