مدير الكلية السياسية العسكرية لـ”الثورة”: تشرين هو مجد الجيش العربي السوريِ الذي لا ينطوي على مر الزمن
الثورة – حوار راغب العطيه:
لأن حرب تشرين التحريرية المجيدة محطة مهمة وعظيمة في تاريخنا العربي المعاصر، فهي عزيزة على قلب كل سوري وعربي، وبذكراها السنوية تنتشي القلوب والنفوس بروح البطولات والانتصار التي أثبتها جيشنا العربي السوري الباسل في ميادين المعارك ضد العدو الصهيوني الغاصب قبل واحد وخمسين عاماً، ومازال يجسدها كل يوم في مسيرته الوطنية والقومية المشرّفة، في زمن تغيرت فيه أشكال الحروب وأصبح الإرهاب أهم أدواتها والذي تستثمره الولايات المتحدة الأمريكية والدول الاستعمارية الأخرى في مخططاتها الإجرامية ضد الدول التي ترفض التبعية والانجرار خلف سياسة واشنطن الهدامة.
وفي هذه المناسبة كان لصحيفة الثورة الحوار التالي مع سيادة العميد الركن أكثم كاسر أحمد مدير الكلية السياسية العسكرية في الجيش العربي السوري.
* سيادة العميد: يسعدنا أن نحظى بهذا اللقاء العطر مع سيادتكم بمناسبة الذكرى الحادية والخمسين لحرب تشرين التحريرية للحديث عن هذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعاً، فشكراً لكم وكل عام وأنتم بخير.
إنَّه لمن دواعي سروري- وبهذه المناسبة العظيمة الغالية على قلوب كل السّوريّين- أن أُرحّبَ بكم في الكليّة السياسيّة العسكرية, هذا الصرح الحضاريّ العلمي والثقافي, وكل عام وأنتم بخير، ووطننا الغالي بألف خير, وقائدنا ورمز صمودنا, وعنوان انتصاراتِنا السيد الرئيس المفدى الفريق بشار الأسد بألف ألف خير, والتحية كلَّ التحية لرجال قواتِنا المسلَّحة الذين يبذلون كل غالٍ ونفيس حفاظاً على أمن الوطن واستقراره، والرحمة والخلود لأرواح شهداء وطنِنا الأبرار، والشفاء العاجل لجرحانا الأبطال.
* سيادة العميد: تعدُّ حرب تشرين التحريريَّة مفخرةً سوريّة كبرى للعرب في العصر الحديث، حبذا لو تحدثنا عن هذه المفخرة بأبعادها ودلالاتها, لاسيما وأنَّها جاءت بعد سنوات ثلاث من التصحيح المبارك الذي قاده القائد المؤسس حافظ الأسد طيّب الله ثراه.
حرب تشرين ملحمة كبرى
**بعد قيام الحركة التصحيحية المجيدة في سورية كرّس القائد المؤسس حافظ الأسد الجهود كافة لبناء الجيش العربيّ السّوريّ بشكلٍ عصريٍّ؛ ليصبحَ جيشاً مُؤهلاً ومدرباً, ويمتلك الكفاءة القتاليَّة العالية والأسلحة الحديثة التي تمكنه من خوض حرب مشرفة, يستعيد من خلالها الأراضي التي احتلّت, ويمرّغ بالتراب أنف العدو الصهيوني الذي زعم أنّ جيشه لا يقهر, ويلحق به أفدح الخسائر.
والحديث عن حرب تشرين التحريرية التي قادها القائد المؤسس حافظ الأسد بأبعادها ودلالاتها لا يمكن إيجازه بكلمات؛ فهي بحق كانت وما زالت مفخرة لسورية وللعرب، فقد شغلت هذه الملحمة الكبرى حيزاً كبيراً من اهتمام أصحاب الشأن العسكري على مستوى العالم.
وفضلاً عن ذلك, فإنَّ النتائج التي حقّقتها حرب تشرين التحريريّة وحرب الاستنزاف فرضت الكثير من المتغيرات والمعطيات التي ما تزال ماثلة حتى هذه اللحظة على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على هذه الملحمة وهذا الانتصار، فبعد حرب حزيران عام 1967وما نجم عنها من احتلال لأجزاء أخرى من الأرض العربيّة ومنها الجولان العربي السوري, وفضلاً عمّا تركته من نتائج سلبية على مستوى المجتمع العربي عموماً, وأبناء سورية خصوصاً أصبح من الضرورة بمكان أن يكون هناك ردّ حاسم على هذا الكيان وهمجيّته.
وقد استطاع المقاتل السوري بكفاءته وشجاعته أن يسطر بتضحياته الساطعة على جبين الشمس صفحاتٍ خالدة من الإباء والعزة والفخار, مكملاً انتصارات الماضي العريق الذي انبثق نوره من عبق التحدي والصمود, حاملاً راية المجد من جيل إلى جيل, مكرساً أسمى آيات الحب للأرض.. مدافعاً صنديداً, وحصناً منيعاً في وجه من أراد العبثَ بكرامتنا وشموخنا؛ ليستحقَّ هذا الجيشُ مكانةَ الرفعة والعلا.
* سيادة العميد: هنا لا بدَّ من السؤال كيف تمكَّن الجيش العربيّ السوريّ من التحضير للمعركة وتحقيق النصر وسورية كانت في بداية عهد جديد، وبخاصة في ظل التحصينات التي أعدها العدو في مسرح العمليات مستفيداً من الموقع الجغرافي وما له من دور في صعوبة العمليات العسكرية.. ؟
قواتنا المسلَّحة سطرت نصراً حاسماً
**الجولان العربي السوري عموماً يتصف بتضاريسَ جغرافيةٍ صعبةٍ تجعل له أهميَّة عسكريَّة خاصَّة لجهة موقعه ولجهة تضاريسه, وعلى الرغم من ذلك شهد معارك عسكرية خالدة في حرب تشرين التحريرية؛ إذ سطَّر رجال قواتنا المسلَّحة البواسل نصراً حاسماً على العدو الصهيوني المتغطرس.
وما تزال تلك المعارك وخصوصاً معركة تحرير “مرصد جبل الشيخ” محطّ دراسة وتحليلٍ في العديد من الكليّات والأكاديميات العسكريَّة العالميّة, هذه المعركة التي تمت وفق الاقتحام الرأسي؛ إذ أبدع المقاتل السُّوريُّ بسلاحٍ خفيفٍ في مقارعة جنود العدو المحصّن والمزوّد بأحدث أنواع الأسلحة الأميركية والغربية، وكان لبناء الجيش على أسس حديثة من حيث التنظيم والتسليح دور حاسم في تحقيق الانتصارات على العدو الصهيوني، ويأتي المرتكز الأساس لبناء هذا الجيش وتعاظم قدراته وإمكاناته هو بناء الإنسان انطلاقاً من أن العامل البشري هو الحاسم في أية معركة… فلم يقتصر بناء المقاتل على إتقان وتعلّم الفنون العسكرية والأساليب القتالية, بل تمَّ التركيزُ على بنائه فكرياً وعقائدياً أيضاً, وتأمين كلِّ احتياجاتِه الضروريَّة التي تمكّنه من خوض المعركة وتحقيق النصر.
لقد تجلَّت قوّةُ الجيش العربي السوري البطل من الناحية التكتيكيَّة بالجاهزيّة القتاليَّة العالية, والإعداد المسبق, والبناء والتأهيل بجوانبه المتعدّدة, والبنية المتماسكة والقيادة الحازمة، أمَّا من الناحية المعنويَّة فظهرت قوّةُ الجيش من خلال الانتماء الوطنيّ للمقاتل السُّوريّ الذي عبّر عنه بحبّه الحقيقي لوطنه الذي يعيش في فكره ووجدانه، باذلاً الغالي والنفيس لحمايته ومضحياً بروحه ودمه من أجله.
* سيادة العميد: ما الذي أضافته حرب تشرين التحريرية في تاريخ جيشنا الباسل؟.
**لعلَّ هذا السؤال المفصليّ والمهم يقودنا إلى قول القائد المؤسس حافظ الأسد: إنَّ الأمَّة التي انتصرت في تشرين تعرف الطريق إلى تشرين آخر..
عبق تشرين يتجدد في كلّ زمان ومكان
تشرين هو مجد الجيش العربي السوريِ الذي لا ينطوي على مر الزمن؛ إذ جسَّد الإرادة والتصميم والقدرة على تحقيق الانتصارات، ليتجدّد عبق تشرين في كلّ زمان ومكان, امتداداً من الماضي المجيد إلى الحاضر المشرّف, فجيشنا الباسل عبر تاريخه النضاليّ الحافل بالبطولات عبّرَ في تشرين التحرير عن هويّته الحقيقيةِ التي تعني أنَّ المقاتلَ العربيَّ السُّوريَّ لا يعرف إلا لغةً واحدةً هي لغةُ الانتصار, وأنَّ العقيدة التي يحملها هي عقيدةٌ متأصّلة راسخة عنوانها الإيمان بالله والإيمان بالوطن والانتماء إلى هذه الأرض والدفاع عن قيم الحق والعدالة وعن الحرية والكرامة والسيادة.. وها نحن اليوم ومع كل فجر نعيش إنجازاً أو انتصاراً لجيشنا العقائدي الذي يدافع عن الأمة في كل مكان وزمان.
لقد بلورت حرب تشرين التحريرية حقيقة الجيش العربيّ السّوري البطل الذي كان وما يزال محطَّ إعجابٍ وتقديرٍ من قبل الشعوب الحرّة في العالم, وما كان لجيش على وجه هذه الأرض أن يصمدَ في وجه حرب إرهابية قذرة ظالمة امتدَّت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً, محققاً فيها الإنجازات والانتصارات على الإرهاب وداعميه, وأفشل المشروع الصهيو- أمريكي في المنطقة, وأعاد الأمن والاستقرار إلى ربوع الوطن.
* سيادة العميد: ما بين تشرين التحرير واليوم تبدُّل دائم في قواعد الصراع والمنظومات القتالية للجيوش، لاسيما أن أشكال العدوان وأساليبه تغيرت لكن العدو هو هو لم يتغير، كيف تعاطى الجيش العربي السوري مع الحرب الإرهابية المركبة، وما هي مقومات صمود وقوة المقاتل السوري في مواجهة هذه الحرب الإرهابية الشرسة التي يقودها الحلف الصهيو- أمريكي؟.
الجيش الذي يعتنقُ رجاله فكرَ التضحيةِ هو جيشٌ قويٌّ منتصر
**لقد حاولت قوى البغي والعدوان, وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيين استخدام أساليب وطرق جديدة لمواجهة الجيش العربي السوري من خلال التنظيمات الإرهابيّة التكفيريّة المسلّحة التي زجّ بها من أنحاء العالم كلّها, وقاموا بتدريبها وتسليحها, وتقديم كل أشكال الدعم لها, لكنّ جيشنا الباسل قام بالتعامل معها باحترافية عالية, وأظهر في أدائه تكتيكاً عسكرياً نوعياً, وحرفيةً قتاليةً قل نظيرها, وقدرةً كبيرةً على التكيّف مع تبدّل الظروف والمواقف.
وجميعنا يعلم الدور القذر للعدوَّ الصهيونيَّ الغادر خلال الحرب الإرهابية المفروضة على سورية؛ إذ قام بتقديم كافة أشكال الدعم للإرهابيين, وأوعزَ إليهم باستهداف مقرات الجيش المختلفة وخاصة الدفاع الجوي وتحييده بهدف إضعاف قدراتنا العسكرية واستنزافها, فضلاً عن تقديم العلاج لهم في مستشفيات الكيان الصهيوني داخل الأراضي المحتلة.
وفي هذا المقام الجليل لا بدَّ لنا من تأكيد قيمة عظمى ارتبطت بتاريخ جيشنا, وهي قيمة الشهادة تحفزنا دائماً للدفاع عن وجودنا الحضاري والتاريخي والثقافي, وبذل قوافل الشهداء، فالجيش الذي يعتنقُ رجاله فكرَ التضحيةِ والاستشهادِ في سبيلِ الوطن هو جيشٌ قويٌّ منتصر.
* سيادة العميد: في سابقة لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً يحاول العدو الصهيوني اليوم تأجيجَ الأوضاع في المنطقة لتوسيع رقعة الحرب من خلال ارتكاب المزيد من المجازر بحق الأبرياء في فلسطين ولبنان وسورية، كيف ستواجه سورية وحلفاؤها التبعات الخطيرة لهذا السعي الصهيوني لتصعيد الأوضاع وتوسيع دائرة العدوان في المنطقة؟.
**ليس مستغرباً من هذا الكيان المجرم أن يشن حروب الإبادة الجماعية على شعوب المنطقة, وهذا ما دفع بالكيان الصهيوني الغاصب لسفك دماء الأبرياء, وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل يومياً في فلسطين ولبنان حيث تقصف صواريخه وطائراته الحربية البشر والحجر، مستهدفة الأبنية السكنية، وسيارات الإسعاف، والمراكز الطبية، وقوافل السيارات المدنية والمدنيين الأبرياء، أطفالاً ونساء, في ظل غياب الدور الذي يجب أن تضطلع به المنظمات الدولية وبخاصة الأمم المتحدة.
وسورية وحلفاؤها يدركون حجم التبعات الخطيرة لما تقوم به آلة الحرب والقتل الإسرائيلية من عدوان همجي يعكس مدى تأصل العقلية الدموية والإجرامية في رؤوس نتنياهو وزمرته، وعليه وبالرغم من الحصار الجائر والإرهاب, فإنَّ قواتَنا المسلّحة تقوم بمسؤولياتها لحماية شعبها وثقافتها وحضاراتها من محاولات القتل والإلغاء على يد الإرهاب الصهيوني, وتواصل حمل راية مكافحة الإرهاب بلا هوادة نيابةً عن العالم أجمع, وتسعى على الدوام إلى تعزيز الجهود الدوليّة الرامية للقضاء على التهديد الذي يمثله الإرهاب الصهيوني للأمن والسلم الدوليين, ولسلامة واستقرار المنطقة.
* سيادة العميد: في نهاية هذا اللقاء.. هل من كلمة توجهونها إلى جيشنا البطل الضامن لأمن الوطن ولشعبنا السوري الأبي؟.
بين اليوم والأمس ننتقل من نصر إلى نصر جديد, ضامننا وحدة وطنيّة لا تنفصم عراها, وجيش باسل لا يعرف سوا لغةً الانتصار, وقائد حكيم لا يحني هامته, ولا يساوم على حق, فهنيئاً لسورية انتصاراتها المتجدّدة والممتدة على كل شبر من ثراها الطاهر.. وإننا على موعد مع النصر الكامل الناجز القريب..
وخير ما نختم به هو الترحّم على أرواح شهدائنا الأبرار وتمنياتنا بالشفاء العاجل لجرحانا الأبطال, وبهذه المناسبة العظيمة نرفع أسمى آيات الحب والوفاء لقائد الوطن السيد الرئيس الفريق بشار الأسد, معاهدين سيادته أن نبقى كما عهدنا الوطن جنوداً ميامين أوفياء, نضحّي بأرواحنا ودمائنا في سبيل عزّة الوطن وسيادته وكرامته.
أهلاً وسهلاً بكم… وكلّ عام وأنتم بخير