أعادنا الحديث خمسة عقود مضت كنا خلالها نعيش حالة عشق كبيرة، هو ابن عمي ورفيق صفي فلا نكاد نفترق حتى نجتمع من جديد، حياتنا صاخبة لكنها بسيطة كبساطة الريف الحوراني وعنفوانه الصارخ، نحلم بالمستقبل المنتج دون معرفة بتعقيدات الحياة ووعورة مسالكها، لتحمل الحرب الأهلية اللبنانية عودة بعض الأسر التي تركت حراكاً اجتماعياً ونشاطاً لفتيان وفتيات، جعل سعيداً يقع في هوى فتاة سمراء شديدة الخجل، تتحرك على استحياء ما بين بوابة الدار الحجرية وساحاتها وترسل خلفها شعراً طويلاً ينسدل على ظهرها دون رباط أو عقدة، وقد ترك الليل فيه سواداً يزيد حسنها جمالاً ورقة.
سعيد يبث وجده لي ويتحدث عن لوعته وما يعاني من ألم الفراق، فهو يقف على بعد عشرات الأمتار من بيتها مستنداً إلى عمود الإنارة الحديدي ينتظر وقوفها أمام منزلها لترسل نظرة حانية باتجاه تجعله يرتقي في أحلامه فوق الغيوم، فهي قد خرجت لهذا القصد، تنظر باتجاه الشمال نحو العمود ذاته لترى إن كان ما يزال ينتظر طلتها ويحظى بتلك الابتسامة اللطيفة، دون أن تزيد عليها بحركة أو كلمة أو جملة.
كانت الوقفة تلك لا تخفى على الجيران وبعض المارة، ففي تلك الدار أكثر من فتاة، حتى إن إحداهن معروفة بحركتها ونشاطها وألاعيبها، فكان يظن الكثيرون أنه يتابع أختها ذات الطول الفارع والحركات الجريئة، فيما كانت أحاسيسه معلقة بفاطمة التي لم يكلمها ولم يحادثها ولا بثها حبه، واكتفى بحديث العيون، ومن بعيد، وهو عندما يستذكر حضورها بعد هذه السنوات الطويلة يستيقظ داخله ذلك الفتى اليافع، صاحب الطلة البهية والحضور القوي والجسم الرياضي والسطوة الكبيرة، وكلها كانت تذوب حناناً ورقة أمام وجهها الملائكي الصافي والذي كان يرتبك خجلاً عندما كنا نمتلك الشجاعة ونسير مجتمعين أمام منزلها وقد سار عن يميني ليتجرأ على النظر يساراً حيث تقف، فتلتقي الابتسامات الخائفة ترتجف لهيباً وشوقاً لا يطفئه لقاء.
دام هذا الحال سنوات ، فلا لقاء أو كلمة، ولا أحد سواي يعرف حقيقة الحبيبة الحقيقية، فكأن حاله كان يرد:
إذا جئت فاجعل طرف عينيك غيرنا
لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر.
أما العم أبو مزيد صاحب التجارب الطويلة فقد كان يردد كلما شاهد سعيداً واقفاً جانب الجدار الشمالي، أو متكئاً على العمود الحديدي:
يبدو أن العمود قد مال من ضغط كتفك.
غريبة وصافية وطاهرة علاقات ذلك الزمان، بسيطة بشكلها، عميقة بمشاعرها، زاهية بنقائها، راسخة بصدقها، مرت عليها سنوات طويلة فحافظت على ثباتها وطهرها، الأمر الذي يشبه الأحلام وحكايات بني عذرة وحبهم الموصوف كمثال لنقاء السريرة وطيب السلوك.
وتبقى هذه الرواية الحقيقية تعكس واقعاً معاشاً وسلوكاً معروفاً، فإخفاء العشق كان معياراً لصدقه لدى العاشقَين، وكل من يذكر وقفات سعيد تلك ما زال يعتقد أن المقصودة تلك التي لم يهو ولم يعشق فيها شيئاً.