لم يمت أستاذي في ديار الغربة فقط، لكنّه مات بعد أن ترك ندبات وجد وأسى في نفوس كلّ من عرفه.
هو ذلك الأستاذ الذي أمضى خمسة عقود كاملة يهب علمه وأدبه لطلابه من دون أن يسجل أحد تأخراً له عن إحدى محاضراته أو أحد دروسه أو جلساته المخبرية.
إنه الدكتور واثق رسول آغا الأستاذ في قسم الجيولوجيا في جامعة دمشق والخبير المائي الدولي الذي عرف بالجدية والدقة على امتداد ثمانية وأربعين عاماً دراسياً ،كان أشبه بالساعة الدقيقة التي لا تتأخر لحظة واحدة، بل على العكس كان يحضر إلى القاعة أو المخبر أو المدرج قبل الوقت المحدد ببضع دقائق ليمتد درسه إلى كامل الوقت المحدد من دون هرج أو تضييع لأي دقيقة.
حملته سنوات الشيخوخة إلى الولايات المتحدة الأميركية لوجود أولاده وحاجته للمتابعة الصحية، لينجو من الموت بعد إصابته بفيروس كورونا بطريقة أذهلت طبيبه المشرف الذي اقترح عليه كتابة قصة بعنوان :(( الرجل العائد من الموت)) ليعيش بعدها أربع سنوات لم ينقطع خلالها عن التواصل مع زملائه وأصدقائه حاملاً هموم وطن مزقته الحروب والتعديات، وهو
مازال يراه قادراً على النهوض واستعادة دوره العلمي والحضاري ما دام أبناؤه يقومون بواجباتهم كلّ في مكانه واختصاصه.
اعتاد أن يرسل لي بعض المقاطع الصوتية خلال سيل المعلومات العلمية المتواصلة كوني واحداً من بين أربعة طلاب فقط أقام علاقات شخصية معهم على امتداد رحلته التدريسية الطويلة في الجامعة، فهو كان يحافظ على مسافة فاصلة بينه وبين طلابه، فكان يبوح ببعض مكنوناته وبعض أحزانه ليقول :إنه سيرحل عن الدنيا راضياً عن نفسه باعتباره لم يقصر في واجبه أمام الله بضمير صادق ونفس راضية.
وها هو أصبح مجرد خبر ونعي بين معارفه ، بعيداً عن قاعات كلية العلوم ومختبراتها ، فيما يبقى طيفه حاضراً بقوة في وجدان كلّ من عرفه.