الثورة – عمار النعمة:
ما من رصد للحراك الثقافي والمتغيرات التي تحدث في المجتمع، أي مجتمع، أصدق من تلك التي ينقلها الإبداع بكل ألوانه وصنوفه, فالأدب يستجيب لكل ملامح التحول.
ونحن الآن في سوريا وبعد الانتصار والتحرر من الظلم والعبودية، وها قد مضى أكثر من شهرين على ذلك نطرح التساؤل هل استجاب الإبداع وواكب النصر؟
صحيفة الثورة التقت بعض الكتّاب والشعراء والروائيين فكانت الآراء التالية:
الموقف الوطني الجامع
الأديب والقاص رياض طبرة قال: مما لا شك فيه أن ما حصل في الثامن من كانون الأول الماضي، هو تحول كبير وحاسم ومباغت, فسقوط النظام البائد- وإن كان من أولى الأمنيات لكثير من المثقفين، إلا أنه كان في الوقت ذاته من باب المستحيلات.. ذلك لأن ذلك النظام البائد حرص على ترسيخ فكرة الملك العضوض والذي يمكن له أن يستمر لمائة عام على الأقل، كما أسرّ مؤسسه المقبور لمستشارته، وما كان يروّج له بعض العارفين بطبيعة وتركيبة هذا النظام تصريحات وزير الثقافة الأسبق رياض نعسان آغا.
من هنا يمكن قراءة العجز عن امتلاك خطاب ثقافي فكري مواكب بعد هذه الأشهر الثلاثة من الحدث العظيم من دون أن نغفل عن محاولات جادة لامتلاك هذا الخطاب, ولاسيما ما تسطّره أقلام الكتّاب في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، وما تخرج به الندوات التي أقامها الاتحاد للمواكبة.
وهنا لا بد أن نذكر بما تحمله دوريات الاتحاد المنشورة على موقعه من سمات عامة تحاول تظهير هذه المواكبة, والاتحاد في مقدمة المتجاوبين مع الحدث, وأزعم أنه من أكثر المستفيدين، حيث اتسع هامش الحرية في الكتابة والتعبير عن الرأي، حتى يكاد أن يكون هامشاً محرضاً للإبداع الذي غابت عنه دعامة الحرية طيلة خمسة عقود كانت الكلمة في خدمة السلطان.. اليوم يمتلك المثقف المناخ المناسب للتعبير عن ذاته وعن المجتمع.
إن التنوع في الخطاب اليوم غنى وثراء للثقافة, لكن الوقوع في الماضوية وعدم القدرة على تظهير الحداثة في الخطاب الفكري والثقافي يجعلنا جميعاً في قائمة الخارجين عن أولويات العصر.
أما دور المثقف اليوم فإنه الأكثر أهمية ويحظى المثقف الحقيقي الوفي فرصة التخلص من أدران ماضيه والتكفير عما بدر منه طوعاً أو كرهاً، والسعي من جديد لامتلاك الجرأة في تحديد الموقف الوطني الجامع والخطاب الذي يتسم بالصدقية والوعي.
سوريا اليوم بأمس الحاجة لمثقفيها، مثلما هي بأمس الحاجة لرأسمالييها وصناعييها ومزارعيها وحرّاسها الأمناء على وحدة شعبها وترابها.
إن أعظم دور يمكن للمثقف أن يلعبه هو أن لا يكون طائفياً يدعو إلى الثأر والانتقام, أو أن يتحول إلى داعية إبادة ومحرض على الإقصاء فسوريا تتسع لجميع أبنائها.
الكتابة والرأي في زمن التحولات
الشاعر والروائي علم عبد اللطيف، أكد أنه إذا كانت الكتابة من تجليات الواقع, فإن الواقع يرسم أشكال الكتابة ويحدد أطرها.
في الصحافة:
هل نقول إن الصحافة لم توجد لدينا في الفترات السابقة؟ الصحافة ليس باعتبارها جرائد ومجلات تصدر عن جهات معينة أو متعددة, بل باعتبارها سلطة, ليس الكتّاب فحسب, بل القراء والمتابعين.
في مفهوم سلطة الصحافة, يمكن القول إن الصحافة توجِد سلطتها بذاتها, حين تستطيع انتزاع حق قول الحقيقة, وهنا سنميز بين الحدث بواقعيته, وبين قراءته وتحليله, والموقف منه.
نقول: إن الصحافة يمكنها مأسسة وجودها بقوة المجتمع وقواه المدنية, أحزاب وجمعيات وصنّاع رأي سياسي, وهذا يتحقق حكماً إذا كانت مسيرة بناء البلاد متحققة سياسياً واقتصادياً, وتكون الثقافة هي أداة الفعل كبنية فوقية, فالثقافة بما هي صحافة أولاً, وكتابات وآداب وفنون وإعلام داخل الصحافة وخارجها.
في حرية الصحافة والكتابة
الصحافة الحرّة مرآة السياسة والاقتصاد والعلوم والفنون والآداب في المجتمع والدولة, ويمكن الحكم على مستويات فاعليتها وتأثيرها من تلمّس مستوى حريتها.
الحرية هنا يمكن تناولها بمفهومها الواسع غير المقيد, حرية الكتابة والإعلام والرأي, وأيضاً بتابعيتها, فلكل دولة ونظام صحافته وأدوات إعلامه, لكن الصحافة الحقيقية هي تلك التي لا تمثل الدولة والنظام عموماً, هي سلطة المجتمع المدنية الذي يعبر عن ذاته الثقافية, والتي تنشأ بمعزل عن التأثيرات السياسية تحديداً, وإن كان لها توجه سياسي معين, فيجب أن تكون سياسة الصحافة لا سياسة الدولة, سياسة تمثل التوجهات والخطاب الثقافوي المتعدد.
في طبيعة الخطاب الصحافي
من الضروري أن يكون الخطاب الصحافي يمثل مصداقية ثقافوية في المقام الأول, مصداقية بعيدة عن الخوف والتزلف, وعن تسويق مواقف السلطة أو أي جهة أخرى سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية, هذا الأمر هو السر الأول في انطلاق الصحافة ونجاحها.
نظرة عامة في مستويات الخطاب الإعلامي والثقافي في سوريا الآن من خلال الكتابة, يمكن القول إن أيّ رأي وكتابة لا يرقى إلى مستوى الخطاب شعبياً ونخبوياً, إلا من خلال صحافة مستقرة وفاعلة, ومن هنا يمكن القول: إن تقييم دور الكتابة والرأي بعد ثورة السوريين الحالية, هو في مستوى متواضع- إن لم يكن غير موجود فعلاً, ولم ينتج فاعليته للأسباب التي ذكرناها حول الصحافة وفاعليتها, ومعظم الآراء والكتابات التي تظهر في هذه المرحلة, تمثل استقطابات سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى, وهي متفرقة ولا يجمعها ناظم وطني أو تقني أو مهني, وفهم هذا يتطلب النظر إلى بلورة واستقرار الحدث الكبير في سوريا, الحدث الذي لا يزال يتجدد ويتفاعل يومياً, ويُعد بتحولات أساسية في مشروع ولادة الجمهورية الثانية.
في مهمة المثقفين اليوم
المثقفون لا يزالون قيد انتظار أكثر من مسألة, يتعلق انتظارهم بطبيعة وسرعة التحولات, ومواكبتها بأدواتهم الثقافية والمعرفية, ستبدو متسرعة قليلاً لجهة عدم نضوج الحدث والتحولات, وأيضاً لحرية رأي غير مُتاحة كما يبدو حتى الآن, حرية تصنعها الصحافة والإعلام, جرائد ومجلات دورية وتلفزيون وغيرها.. فالأمر يتعلق بالإمكان أولاً وأخيراً.
في إمكانية قيام المثقفين بدورهم مستقبلاً
تبدو مظاهر الثورة التي أنتجها مطلب الحرية, تعِد بأفق واسع لتخلّق نماذج الصحافة والرأي, الروح التي انطلقت من قيود التحكم والإرهاب في المراحل السياسية التي مرت بها سوريا, هي من الأهمية والقوة بحيث ستكون رافعة التحول الثقافي مستقبلاً, الحرية التي عرفها السوريون ربما لأول مرة في تاريخهم السياسي والثقافي سيكون من الصعب تخليهم عنها لسبب أو لآخر, فيما يتصل بالتقييد مجدداً, أو النيل من انطلاقة وطنية جامعة في مسألة الحريات, ونشوء التجمعات والأحزاب, وقوى مدنية مستقلة, هذا الأمر كفيل فيما لو تحقق من صياغة مشهد ثقافي ومعرفي ينتظره السوريون, وسيكون من البداهة بمكان, أن يعرف الكتّاب والمثقفون مهماتهم وينهضوا بدورهم, المثقفون سواء داخل البلد الذين افتقدوا مؤسسات ومنابر, أم في الخارج ممن وجدوا مجالاً وأفقاً, بهذا القدر أو ذاك, ستكون مهمتهم في سوريا مأسسة جديدة للثقافة والصحافة.
انعكاس الواقع
الروائية رجاء شعبان قالت: نعيش تحوّلات كثيرة وقد يكون التحوّل للأمام أو للخلف, وقد تهب لنا الحياة فرصة التحوّل الكبير ونعجز عن تفعيل هذه الفرصة واغتنامها والاستفادة منها, فيكون ذلك القول القائل لأحد الحكماء: “ضياع الفرصة غصّة” هو الغصّة.
ما حصل من تحوّل كبير كعنوان عريض يندرج حوله وتحت ظلاله كل التفاصيل، كان فضفاضاً ولم يجمع شمل الجسد الذي يرتديه.
والثقافة عموماً والفكر خصوصاً هي انعكاس الواقع ولملمة أجزائها وتقريب وجهات نظرها بخطاب ثقافي ممنهج بفكر إيجابي يجمع لا يشتت ويبلسم لا يعرّض الجرح للصدع أكثر.. والخطاب الفكري الثقافي يجب أن يبقى خطاباً ثقافياً حقيقيّاً خالياً من النزعات الشخصية والأنا العمياء المسيطرة على المشهد والمتمثّلة بردّات الفعل.
للحقيقة ما وجدناه من خطاب ثقافي لا يرتقي لمستوى الفكر ولا يليق بتسميته خطاب ثقافي, بل اقتصر على أصوات مبعثرة هنا وهناك, ليست على نسق واحد ولا تجمعها رؤى تؤدي للدرب الصحيحة, هي منعطفات هامشية تخرج عن المساق إلى حيث لا اتساق.
المثقف برسالته ومبادئه عليه أن يبقى صلباً صامداً يقود السفينة ويعرف كيف يتعامل مع تيارات الماء، وأن يقول الصدق والحقيقة لأن “الصدق منجاة”، لكن ما حصل في ظل هذه المتغيرات وهذا التحول الذي وجد نفسه به جعل هذا المثقف أو صاحب الفكر يشعر بالتخبّط والحيرة ودفعه الخوف ليتكلّم من دون وعي وتحقق واتزان، فكان كلامه أو خطابه انفعالياً حيناً وثأرياً انتقامياً في أحيان! وخرج عن مبدأ الحياديّة والموضوعية والإيجابية التي هي رسالته الأصل.
مطلوب من المثقف اليوم أن يلملم شتات حاله وأحواله ويعيد النظر ويطيله ويعود يفكر بعقله ويكتب بفكر خلّاق ولا تشغله هواجسه، الثقافة ثقافة فمن مقوماتها الاتزان والمنطقية والعقلانية وتقديم الممتع والمفيد، والبعد عن السلبية مع الإشارة إليها لتغييرها ليس أكثر.
ومع كلّ تحول هناك ايجابيات حبّذا لو نستغلّ هذه الايجابيات ونتغاضى عن الصغائر ونفكر بالصالح العام، فيعود المثقف يفكر بعقل الجماعة وبفكر المؤسسات التي تنهض بالمجتمعات وتصنع الحضارات وتبتعد عن العنصرية والتشتت والقضايا المبعثرة والهامشية التي تؤخر ولا تقدّم والبعد عن الفكر الواحد والاتجاه الواحد والوعي النمطي التقليدي الفارغ من الإبداع وكذلك البعد عن الطائفية والفئوية وما إلى ذلك.
المطلوب من المثقف أن تعود له ذاكرته ونشاطه ويعلم جيداً هدفه بأنه الداعم لمجتمعه لا المهدّم أو الهادم أو هذا الدور غرقت الأفراد والمجتمعات في ضلال وانحلّ العقد الذي يجمع أبناء وفئات المجتمع وصار كلٌّ يغنّي على ليلاه، المثقّف دوره مختلف.. هو الميزان الراجح بالعقل والحكمة والعلم, هو المصلح وليس المنكفئ على نفسه.
وكما قال كونفوشيوس في عبارته الشهيرة والرائعة: أن تُشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام.