سوف نثبت في المقدمة قاعدتين تبدوان هما الأصل في مواكبة الواقع الوطني السوري في هذه المرحلة، أما الأولى منهما فهي التي تؤكد بأن هذا الوطن تاريخياً هو مصدر إشعاع على المنطقة والعالم وموئل أمان لكل حق مطارد ولا سيما في الآفاق العربية المخترقة منذ زمن بعيد وسورية كذلك هي مصدر الإشعاع الذي لا ينضب ولا ينطفئ في إطلاق مواد الحياة الكريمة والحضارية والمتفاعلة على مساحات الوطن العربي والإقليم بكامله، هذه القاعدة الأولى هي حقيقة الحقائق بالنسبة لتقديرات الأداء الوطني السوري بصورة عامة وهذه الخصائص في الوطن السوري هي التي شكلت حركة الرد والردع في مواجهة الإرهاب ومن يدعم ويغذي هذا الإرهاب، أي أن الوطن السوري عبر عن خصائصه وقواعده المؤسسة تحت النار والحصار بأداء عبقري نقل الإنجاز إلى مرحلة الإعجاز وكامتداد لهذا المحور النوعي والمؤثر كان لا بد أن نتنبه بحذر شديد إلى أن قيم المواجهة العسكرية السورية لا بد لها أن تتحول إلى مادة نوعية تكاد تشبه الدم في الجسم بحيث يكون استقرار هذه الخصائص المتفوقة واستمرارها مسألة قواعد ثابتة، وكان المتوقع أن تصبغ هذه المواقف الوطنية السورية كل مفردات الوطن السوري، أعني الأفراد وسلوك الأفراد والجماعات ومسائل الاقتصاد والتجارة والبيع والشراء وقضية الأسعار والأجور وبصورة عامة لكان لا بد لهذا الانبعاث الوطني السوري أن يستغرق الحياة الوطنية السورية بكاملها لأن البديل عن ذلك هو مفارقة مؤذية من جهة وتمهيد لإعطاء الفرصة عبر الثغرات وحالة الترهل في الداخل لكي يقوم المشروع المعادي لسورية بإنتاج سياساته وتطبيقاته علينا وبالمحصلة وما دمنا في حمى هذه الخصائص السورية فإنه لا يليق بل (لا يلبق) أن يكون في اللوحة العامة مشهد أبيض ناصع ونقاط سوداء ملفوفة ومسمومة، وهنا يأتي الدور لطرح القاعدة الثانية وفي أصولها المنهجية أن المؤامرة من الخارج والفساد من الداخل هما وجهان لعملة واحدة وكم نتمنى ألا تأخذ هذه القاعدة استطالاتها وغزواتها المتكررة للداخل الاجتماعي والشعبي وفي هذا المقام لا بد أن نؤكد الثوابت التالية:
1 – هذه هي المرة الأولى التي يتكامل فيها العدوان على سورية من الخارج مع الخلل في الداخل، نعم وباعتراف صريح لا بد من الإقرار بحقيقة العدو الخارجي وامتداداته في الداخل السوري، أي أن الحرب على سورية في هذه النسخة القاتلة والمسمومة الآن صارت عدواناً على سورية وعدواناً في سورية وهذا وضع مؤلم واقعياً تاريخياً وبمستوى النتائج المترتبة عليه.
2 – إن منهجية التحليل في المستوى النظري والتطبيقي تجعلنا نؤكد أن مواقع الفساد المزمن ونقاط الضعف المتراكمة ولا سيما في البنية الثقافية والتنظيمية دخلت كعامل جذب وإغراء في المنظور المعادي لسورية بما في هذا المنظور من قوى دولية مثل أميريكا وفرنسا وتركيا والسعودية وقطر ومواقع أخرى مبثوثة في الوطن العربي المنكوب، كانت مصادر الترهل والخداع والفساد وهي تحاول نقل فعلها في الوطن السوري وكانت النماذج والشرائح الحاملة للفساد أو المتوثبة لقبول أوامر العدوان الخارجي، كانت موجودة وهي في مرحلة الكمون وحينما حمي الوطيس وانفجرت كل المعارك رأينا الاصطفاف الموحد ما بين أعداء الخارج وممثليهم من مواقع وبنى الفساد في الداخل، وفي هذا المعنى فقد كان هذا البند كتاباً أساسياً بل مجلدات أساسية عند امريكا والغرب والكيان الصهيوني، فهناك الدراسات النفسية والاجتماعية وهم خبراء في ذلك وهناك الوشائج الممتدة من الداخل السوري إلى دول الخليج وهناك أيضاً هذا النزوع نحو اصطناع مناخ وتنظيمات من المعارضة التي نهضت بصورة مفاجئة وكأنها رؤوس الشياطين وسرعان ما وجدت نماذج مشتاقة لكي تقوم بهذا الدور للانضواء في الإرهاب والعدوان وللتخلي عن الانتماء الوطني السوري وأخلاقيات أبناء هذا الوطن، وهنا كان التركيز شديداً وعميقاً ومتسارعاً (لتأليف) حركة لها مظهر المعارضة وجوهر العمالة ووطنية التطبيق المسلكي المأجور، وما يهمنا الآن هو اشكالية الوضع الداخلي وأولويات العدوان الآن تركز على أن يعود المحور الداخلي للانبعاث المشؤوم من جديد وبصيغة جديدة وهنا تقع المعضلة الكبرى فهذه فرصة قوى الفساد في الداخل ومنهج العداء من الخارج وهي متصلة عضوياً بلقمة العيش وبمواد الدفء وبقصة الغلاء والاحتكار والتجارة بما تبقى لدى المعذبين في الأرض من بقايا طاقة الشراء وتأمين الحاجات، وفي عمق هذا التيار أرادوا تشويه الصورة المشرقة وهي يعلمون بأن هؤلاء المعذبين في الأرض هم الذين أنجزوا عناوين الوطن المقدسة عبر الشهادة والشهداء ولذلك كان لا بد أن يلغى هذا البعد وأن يكون الانطباع السائد هو معاناة هؤلاء المعذبين في الأرض تحت وطأة الحصول على الرغيف مهما كان جافراً وهذه هي حقائق المؤامرة الراهنة وبالتأكيد فلا يحق لأحد أن يعمم الخاص على العام أو أن ينكر البطولات والشهادة والشهداء والمنطق يؤكد بأن هذا الوطن السوري الذي أنجز التحويلات والانتصارات قادر على الاحتفاظ بقيمه وإنجازاته والتصدي للعدو من داخل سورية.
د. أحمد الحاج علي
التاريخ: الاثنين 4-2-2019
الرقم: 16901