تغيرات، وتحولات كثيرة طرأت على المجتمعات في العقود الأخيرة بفعل التقدم التكنولوجي الكبير الذي وصلت الحضارة المعاصرة له.. وليس آخرها ما فرضته الجائحة المستجدة من سلوكيات أجبرت الناس على إجازة مفتوحة نسبياً وهم نزلاء بيوتهم، وغير بعيدين تماماً عن أعمالهم مادامت قنوات (الإنترنيت) مفتوحة ما بين المنازل ومقار الأعمال للمتابعة عن بعد.
وهذا ما دفع بدوره إلى ابتكار الجديد من الأفكار بما يتناسب مع الأوضاع الطارئة، فإذا بالناس يطوِّعون الوقت، والجهد لكسر الحصار الذي هم فيه نحو حصاد يعود عليهم بالفائدة لا بالخسارة.. والمنصات الإلكترونية، والمواقع تساعد، ولا تعاند.. إذ هي تسخر منصات معتمدة خصيصاً لاستقبال الأفكار الجديدة، فترصد لها المسابقات، والجوائز وهي تُعرِّف بالفائزين المبتكرين بعد أن أتاحت لهم الفرصة للإعلان عن مشاريعهم التي ربما كانت قبلاً حبيسة الأذهان، أو الأدراج ولا تجد من فرصة لتخرج بها إلى النور والعلن، بعد إعمال الفكر للحصول على المبتكر من الأفكار.
لقد ساعدت نظم التعليم الحديثة، ومناهجها التي باتت تعتمد على تنمية مهارات التفكير كبديل عن أسلوب التلقين الذي ساد لفترة طويلة في التدريس، وكذلك عصر الانفتاح المعلوماتي الذي نعيشه، وإمكانية تبادل الأفكار بين البشر، كما عصر التكنولوجيا أقول كل ذلك ساعد على سرعة بلورة الفكرة بعد القبض على التماعتها لتدخل حيز العلن، والتطبيق دون تأخير، أو تأجيل مادامت إمكانيات عصر السرعة متاحة لتخدم كل جديد في مجال العلم، والابتكار.
هذه العزلة التي فرضت على الناس في أغلب البلدان للوقاية من الجائحة المباغتة قد أفسحت المجال للقراءة بشكل لافت، كما لتداول الآراء ولو عن بعد بين الأفراد، أو الجماعات، وفتحت باب الحوار مع الآخر إذ بالحوار تتفتح الأفكار.. ليصبح وقت العزل هو الوقت المناسب لعرض ما يجول في الأذهان، والمنصات الإلكترونية هي المكان المناسب أيضاً للإعلان عنها.. خاصة وأن مسابقات تقام بهذا الخصوص، وبراءات اختراع تسجل بأسماء أصحابها، وجوائز مادية، ومعنوية تتحقق من ورائها.
الفأس ليست أكثر من قطعتين مندمجتين، وهذا الاندماج هو الذي يحقق الغاية، إذ لا تستطيع واحدة من القطعتين أن تقوم بالفعل منفردة.. فالفكرة إذاً هي التي تربط بينهما لتتحقق الغاية.. وهكذا هو الحال مع دمج الأفكار للحصول على الأكثر تميزاً منها، فآلة التصوير أو التسجيل موجودة لذلك أمكن بسهولة دمجها مع جهاز الهاتف الذكي، والأمثلة كثيرة في هذا المجال.. ومنابع الابتكار لا تنتهي، ومساحة دمج العناصر مع بعضها بعضاً أكبر من أن تُحد، وأوسع من أن تنحصر في مجالات ضيقة.
إن مما هو متاح الآن على الشبكة العنكبوتية من المعلومات الهائلة ما يساعد على نضج الرؤية، ويسمح بدمج الأفكار، ويسرِّع بظهور الجديد منها كما لم يكن متاحاً من قبل عصر المعلوماتية الذي يتسم بالسرعة كأهم سمة له.
لقد أصبح إنتاج الأفكار في الوقت الحاضر صناعة بحد ذاته، وربما بما يفوق في أهميته ما تنتجه المعامل من صناعات.. والدول تتنافس في العثور على جديدها، والمبتكر منها.. ووسائل المعاصرة التي باتت مبذولة بين أيدي كل الناس جعلت من هذه الصناعة الأكثر رواجاً، ولتصبح بالتالي الدول التي تمتلك أكبر قدر منها هي الأكثر نفوذاً، والأقوى اقتصاداً على مستوى العالم.
وها هي الأوضاع المستجدة التي قلبت موازين الدول، وأحوال البشر قد أفردت مساحات إضافية للإبداع، والابتكار بما يثري العملية الإنتاجية للدول، ويسعف اقتصاداً عالمياً أصبح على حافة الانهيار، ويخلق فرص عمل مستحدثة لم تكن لتوجد قبل أن تدخل الآلة إلى مجالات استعيض فيها بالآلة عن خدمات البشر بغرض التنائي، والتباعد الذي أصبح مطلوباً بين الناس، ولجعل الأدوات المتاحة تلبي الاحتياجات الطارئة.
إن ابتكار الأفكار لا يقتصر على فئة من الناس دون غيرها بل إنه فن بالإمكان تعلمه بالتجربة، والممارسة ليصبح طريقاً للنجاح، أو للخروج من الأزمات.
(إضاءات)ـ لينـــــا كيــــــــــلاني