العظماء لا يرحلون يبقون في الذاكرة

 الملحق الثقافي:الهام سلطان:

شخصية استثنائية، ترتِّل وهجِ الشمس لترسم شكل الوطن.. قامةٌ نهلت من قاسيون شهقتها الأولى، وتعمَّدت من ترانيم بردى، وتعطّرت بشذى الغوطة.
من أين يبدأ القلم يرسم أبجدياته، عندما تتناثرُ على أوراقه، أحرفٌ خطَّها الزمن، من ألفها إلى يائها؟.
اليراع يقف عاجزاً، خجلاً.. يتعثر في خطوات مداده، يرفض أن يخطّ بوحه عن قامةٍ رحلت، وهي مازالت بيننا ترسم دوائر من الحضور البهي والمتألق.
إنه الموسوعي والإعلامي السوري القدير.. المناضل الشجاع، والانسان النبيل “موفق الخاني”.
بصوته الهادئ الرزين، الذي يرسم على تقاسيمه حكايا وطن، كان يطلُّ عبر الشاشة الفضية كشمسٍ تسري بدفءٍ إلى ذاكرتنا، وتنيرُ مداركنا، وتوسع آفاقنا. يشرق علينا بطلته الرزينة الهادئة، بعد نهاية الشارة التي تحمل في موسيقاها رعشة قلوبنا، يرافقها هدير الطائرة الذي لا يزال حتى اليوم، يضجُّ في الذاكرة، نحلق مع أجنحتها إلى عالم العلم والمعرفة والاكتشافات، وسوى ذلك مما يرويه عن قصصِ الإنسان والحضارات.
ستبقى خطواته ترسم على دروبِ حي المهاجرين، حكاية إنسان امتشق من الفجر ضوءه، ومن النبل سراجه، ومن الرقي حكايته، ومن التواضع سرّه.
“محمد موفق الخاني” من أسرة الخاني الدمشقية، وهو من مواليد دمشق التي تربى فيها وتفوق في مدارسها.

بدأ في سنٍّ مبكرة عمله الإبداعي، حيث نشر أول مقالة له في صحيفة محلية عام 1934 وكان في المرحلة الابتدائية.
تابع مسيرته الثقافية، وبدأ الكتابة الصحفية العلمية عام 1946 في مجلة الجندي، واستمر في عدد من المجلات الأخرى، المحلية والعربية، وكان آخرها، صحيفة “الثورة” حتى عام 1982.
توسعت آفاقه، وبدأ بتأليف الكتب، ألَّف ونشر كتاباً باسم برنامجه التلفزيوني الشهير “من الألف إلى الياء” عام 1992.
وفي العمل النضالي، كان مقاتلاً فذَّاً، وطياراً ماهراً، وقد شارك في الاستقلال عندما انسحب مع رفاقه، من سلاح الطيران في الجيش الفرنسي في لبنان، وانضم إلى قوات الدرك السوري، فحُكم غيابياً من قبل القوات الفرنسية عام 1945.
تابع نشاطه النضالي بعد الاستقلال عام 1946، وتسلَّم مع رفاقه، مطار المزة العسكري من القوات الفرنسية، وبنوا وجهَّزوا مطار الضمير العسكري، ليكون مطاراً لوجستياً بعيداً عن دمشق.
كل هذا، إضافة إلى بصمته التي لا تُنسى في عالم الطيران، حيث أسَّس مع رفاقه، سلاح الطيران العربي السوري.
في فلسطين كانت حكايته، فقد شارك بطائرته، وكان يسميها “لمياء” في حرب الإنقاذ في فلسطين عام 1948 ، وفي جزأيها قبل وبعد الهدنة.
في التاسعة والثلاثين من العمر، استلم إدارة التدريب الجوي، ووضع القواعد الأساسية لها، ونظم الأسماء، وبعث الإيفادات، وخرَّج الدورات لكل أجيال الطيارين اللاحقة، وكان هو من اختار تاريخ 16 تشرين الأول (يوم استلام مطار المزة من الفرنسيين) ليكون عيد الطيران.
أيضاً، كان من رسم بيده شعار الطيران في سورية، ولا تزال لوحة عملاقة على مبنى “آمرية الطيران” في أبو رمانة.
قام بتأسيس نادي الطيران الشراعي في دمشق، واستلم إدارته وقام بتشغيله عشر سنوات، مستعيناً بمدربين ألمان.. أسَّس فرعي حلب وحماة للطيران الشراعي، وأسّس أيضاً، سرب الطيران الزراعي في سورية.
تسلم إدارة المؤسسة العامة للسينما في سورية عام 1965، وشغل منصب المدير العام لها حتى عام 1968، وفي نفس الفترة أسَّس المديرية العامة للسياحة، وكان أول مدير عام لها، وكان مديراً عاماً لمؤسسة السينما، ومؤسسة السياحة معاً، وقام بتصوير المواقع السياحية في سورية.
بدأ إعداد وتقديم البرامج العلمية في الإذاعة السورية عام 1957، واستمر لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، ثم بدأ العمل في التلفزيون السوري، وفي إعداد البرامج التلفزيونية العلمية والأفلام الوثائقية عام 1961. (أي منذ تأسيس التلفزيون)، وقدم على مدى عامين، برنامجاً تلفزيونياً علمياً أسبوعياً باسم، “مجلة العلوم”.
بدأ برنامجه التلفزيوني العلمي الأسبوعي “من الألف إلى الياء” عام 1963، وبقي مستمراً إلى عام 2006 على القناة الأولى للتلفزيون العربي السوري، أي أكثر من ثلاثة وأربعين عاماً دون انقطاع، (لدى مراسلتنا لمؤسسة سجل غينيس Guinness للأرقام القياسية، تبين أنه الحاصل على لقب، مقدم أقدم برنامج تلفزيوني علمي).
في ساحة الامويين، وفي مبنى الإذاعة والتلفزيون، أرشيف علمي وثقافي يحكي قصة العلم والحضارة والفكر، ومدرسة إعلامية نقتدي بها.
أخيراً، حلق النسر السوري عالياً بجناحين من نورٍ، تاركاً خلفه على ربى قاسيون قلوباً تنبض بحبه، وأجيالاً تحمل في ذاكرتها، صوتاً سيبقى ينبضُ في مسيرة حياتهم.
نعم.. أخيراً حلّق، لكن، بقي صوته سيمفونية ترسم في تلافيف الذاكرة، وهج الإبداع وملامح حضارةٍ إنسانية، هي البريق الأبدي في ضوءِ عطاءاته.
سيبقى، مثلما تلك اليمامة التي تجاور الجامع الاموي، ومثلما ذلك النسر المحلق في فضائه السوري.. سيبقى وستبقى آثاره، ترسم على مساحة الوطن، قوس قزح يلوِّن الشمس، ويكتب حكاية اسمها موفق الخاني.

التاريخ: الثلاثاء2-2-2021

رقم العدد :1031

 

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق