من قال إن الحرب التي نخوضها نيابة عن العالم قد انتهت ..، وإن الحصار والعقوبات والمقاطعة التي تفرضها علينا الدول الداعمة للإرهاب قد توقفت.. وإن وارداتنا النفطية “ولاسيما الغاز منها” قد تضاعفت..، وإن طاقتنا الكهربائية المولدة قد زادت..، وإن المقصود بترشيد استهلاك الكهرباء هو حرمان أنفسنا من التنعّم بوسائل الترفيه، والتخليّ عن وسائل الراحة..، وإن الحدّ من الاستهلاك الجائر، والقضاء على الاستجرار غير المشروع، والاستفادة منها بشكل مثاليّ، لا يقلّل من استهلاك مواردنا الطبيعيّة، ويخفّض من فواتيرنا الكهربائية، ويحمي منظومتنا من الأعطال الناجمة عن زيادة تحميل المحطات الكهربائيّة، ويوفر على خزينتنا مئات المليارات من الليرات السورية.
مناسبة هذا الحديث هو حالات الإفراط والمغالاة والإسراف والمبالغة والهدر المستمرة حتى تاريخه.. داخل المدن وخارجها باستهلاك الكهرباء، لأسباب أقل ما يقال عنها إنها استعراضية غير مسؤولة، لا تمت للعقل ولا للمنطق أو لميزان العرض والطلب الطاقي بصلة من قريب ولا حتى من بعيد، ليس في القطاع الخاص فحسب وإنما في العام أيضاً، ومن جميع المشتركين وتحديداً المنزليين منهم الذين مازالوا يتصدرون قائمة الأكثر هدراً للطاقة الكهربائية.
نعم، قد يخرج عليك البعض ليقول: إن ساعات القطع الكهربائي أكثر من الوصل، وإن الحماية الترددية مازالت الشوكة الأقسى في حلق جميع المشتركين، لكن ذلك لا يعني قطعاً التشغيل الكلي والجماعي لجميع أجهزتنا ومصابيحنا ” على اختلاف استطاعاتها وأحجامها ـ ولاسيما الذين يتبرجون ويتفننون بتقليعاتهم التزيينية الكهربائية” دفعة واحدة، وكأنهم المشتركون الوحيدون ولا أحد سواهم، وإن منظومتنا في أوج قوتها التوليدية والتوزيعية.
ما يجري يحتاج لوقفة سريعة، ومراجعة دقيقة لثقافتنا الاستهلاكية وأخلاقنا العامة وأسلوب تفكيرنا وطريقة تعاطينا مع هذا الملف الحساس جداً، والقائمة على عقلنة الاستهلاك، لا على نظرية “استجر أكبر وادفع أكثر”، لأن هذه الخدمة والنعمة عامة شاملة للجميع من دون استثناء، عملت ومازالت الدولة بكل طاقتها لتأمين ما يمكن تأمينه من المشتقات النفطية لتوليد وتوزيع الطاقة الكهربائية على جميع المشتركين “بنسب متفاوتة قليلاً لا كثيراً”، وعدم حرمان أحد منها، والحيلولة دون تسجيل زيادات غير محمودة في الأحمال، وقطع للكابلات، وحرق للمحولات وتوقف للعنفات وخروج للمحطات، والانتقال من النور إلى الظلام.
الكنز – عامر ياغي