الملحق الثقافي:أمجد سيجري:
“التحولات The Metamorphoses “قصيدة ملحمية سردية، مكونة من 15 كتاباً و11955 سطراً وأكثر من 250 أسطورة، كتبها الشاعر الروماني أوفيد Ovid في بداية القرن الأول ميلادي باللاتينية، وتؤرخ قصّة تاريخ العالم منذ نشوئه إلى مرحلة تأليه “يوليوس قيصر”، ضمن إطارٍ أسطوري تاريخي، وتعتبر واحدة من أكثر الأعمال تأثيراً في الثقافة الغربية، فقد ألهمت كُثرٌ من الشعراء العالميين، مثل الشاعر الإيطالي “دانتي أليغيري” والشاعر الإيطالي “جيوفاني بوكاتشيو” والشاعر الإنكليزي “جيفري تشوسر” والشاعر الإنكليزي و”يليام شكسبير”، وفي العصر الحديث، ألهمتْ الروائي الألماني “فرانز كافكا”.
من جملة هذه الأساطير التي أوردها “أوفيد”، قصة جميلة تحكي عن عاشقين بابليين، يدعيان “بيرَم” و “تسبين “Pyramus and Thisbē “وتقول حكايتهما باختصار:
عاش “بيرَم” و”تسبين” في مدينة بابل القديمة، وفي منزلين متلاصقين يفصل بينهما جدار مشترك. لكن، بالرغم من الجوار، كان البغض والتنازع والتنافس والعداوة، هم العناوين الرئيسية لحياة عائلتيهما.
من شدّة البغض والعداوة بين العائلتين وُلِد حبهما، وتأجَّج وكَبُرَ معهما، وفي النهاية أرادا الزواج، لكن الخلاف والنزاع بين عائلتيهما منعهما من ذلك، ومنعهما من رؤية بعضهما بعضاً. ذات مرة، اكتشفا صدعاً في الحائط الفاصل بين منزليهما، فكان تواصلهما يتم من خلال هذا الصدع. يهمسوا لبعضهم بعضاً أروع كلمات الحب، ويتبادلا القبل عبر تقبيل الحائط البارد.
في إحدى الليالي، وخلال سهرات عشقهما، اتَّفقا على ﺍﻟﺘﺴﻠُّلِ ﻭﺍﻟﻬﺮﺏ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، وتواعدا عند قبر الملك “نينوس”. غابت الشمس وحلَّ الظلام، وأرخى القمر ضيائه على طريق “تسبين” التي خرجت من منزلها لمكان اللقاء، تحت ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﺘﻮﺕ، وبجانب قبر “نينوس”، لكنها ﻟﻢ ﺗﺠﺪ “ﺑﻴﺮﻡ” ﻓﻲ ﺍﻧﺘﻈﺎﺭﻫﺎ، بل ﻟﻤﺤﺖ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ ﻟﺒﻮﺓ برية خرجت ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺑﺔ، مهرولةً ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻨﺒﻊ ﻟﺘﺮﻭﻱ ﻇﻤﺄﻫﺎ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺍﻓﺘﺮﺳﺖ شيئاً ما، وﺍﻟﺪﻡ يملأ فمها..
هربت “تسبين” من روع المنظر، فأسقط النسيم منديلها. مرت اللبوة من فوق المنديل ومزَّقته بفمها المدمَّى، ثم شربت وعادت إلى الغابة.
جاء “ﺑﻴﺮﻡ” فلم ﻳﺠﺪ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻨﺪﻳﻞ ﺍﻟﻤﻠﻄﺦ ﺑﺎﻟﺪﻡ، ﻭﺁﺛﺎﺭ ﺧﻄﻰ ﺍﻟﻠﺒﻮﺓ. نظر حوله فوجد اللبوة تدخل ﺍﻟﻐﺎبة.
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ مروَّعاً، وقد ظنَّ “بيرَم” أن اللبوة التهمت حبيبته، فندم على تأخره واعتبر نفسه مذنباً ومسؤولاً عن موتها، وصاح: “أﻧﺎ ﻣﻦ ﻗﺘﻠﻚِ”. تناول ﺍﻟﻤﻨﺪﻳﻞ ﻭﻗﺒﻠﻪ، ﻭﻫﺮﻭﻝ ﻧﺤﻮ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﻭﺧﺎﻃﺒﻬﺎ ﻗﺎئلاً: “إﻧﻚ ﺍﻵﻥ ﺳﺘﺸﺮﺑﻴﻦ ﺩﻣﻲ”، ﻭﺍﺳﺘﻞ ﺳﻴﻔﻪ وسقط عليه، وكانت هي طريقة الانتحار البابلية، فقد ﻏﺮﺯﻩ ﺑﻴﻦ ﺃﺿﻼﻋﻪ، ففار ﺩﻣﻪ ﺑﻌﻴﺪﺍً، ﻭﻟﻄﺦ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﺍﻟﺒﻴﺾ ﻓﺎﺻﻄﺒﻐﺖ ﺑالأﺣﻤﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻲ.
عادت “تسبين” ﻭﺍﺗَّﺠﻬﺖ ﻧﺤﻮ الشجرة، فوجدت حبيبها في بركةٍ من دمائه. طوّقته بذراعيها، وﻗﺒّﻠته، وترجته أﻥ ينظر مرّة واحدة إليها، قائلة: “أﻧﺎ ﺗﺴﺒﻴﻦ ﻛﻠﻤﻨﻲ ﺃﺗﻮﺳﻞ إﻟﻴك”. عند سماعه اسمها، ﻓﺘﺢ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﻭﺭﻣﻘﻬﺎ بنظرة الوداع الأخير، وأطفأ ﺍﻟﻤﻮﺕ نور عينيه.
ﻛﺎﻥ ﺳﻴﻔﻪ ﺳﺎﻗﻄﺎً ﺑجانبه، ﻭﻣﻨﺪﻳﻠﻬﺎ ﺍﻟﻤﻤﺰﻕ ﻣﺎ ﻳﺰﺍﻝ ﻋﺎﻟﻘﺎً ﻓﻲ ﻗﺒﻀﺘﻪ، ﻓﻔﻬﻤﺖ أنه قتل نفسه لاعتقاده أنها ماتت، وقالت: ﺃﻧﺖ ﻗﺘﻠﺖ ﻧﻔﺴﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﺣﺒﻚ ﻟﻲ، ﻭﻣﺎ ﻛﺎﻥ شيﺀ ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺕ. ﺍﻵﻥ، ﺤﺘﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻟﻦ ﻳﻔﺮﻕ ﺑﻴﻨﻨا”. قالت هذا، وأغمدت سيفه ﻓﻲ ﺃﺣﺸﺎﺋﻬﺎ، فماتت بجانبه .
رأت الآلهة المأساة، فأشفقت على نهايتها المفجعة وقرَّرت، ترك ﺛﻤﺎﺭ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ، ﺗﺬﻛﺎﺭﺍً ﺃﺑﺪﻳﺎً لهذا الحبّ المخلص والممنوع.
ملاحظات:
– نينوس وفقاً للمؤرخين اليونانيين، الذين كتبوا في الفترة الهلنستية وبعدها، تم اعتباره ملكاً أشورياً مؤسساً لمدينة نينوى التي تسمى أيضاً مدينة نينونس، عاصمة آشور القديمة. لكن الاسم الذي تم افتراضه أو تدوينهن لم يتم العثور عليه في قائمة الملوك الأشوريين، ولا أي من الأدبيات المسمارية، بالتالي تم اقتراح أنه عبارة عن شخصية خيالية، أو خليط من شخصيات حقيقية حكمت آشور، ويمكن ربطه مع سميراميس، فإذأ صحَّ افتراض أن شامورامات هي ذاتها سميراميس، يكون المقابل الأشوري لنينوس، هو شمشي اداد الخامس 811 ق. م.
– اعتبر أوفيد أن البطلين عاشا في بابل، لكن في تدوينات المؤرخ اليوناني “كتيسياس” وضع قبر الملك الأشوري الأسطوري نينوس، بالقرب في كليكية الجزء السوري من الإمبراطورية الأشورية، ويدعم نشوء الأسطورة في تلك المنطقة، الاسم اليوناني لبطل الحكاية بيراموس Pyramus فهذا الاسم هو الاسم اليوناني التاريخي لنهر جيحان المحلي.
– جاءت مأساة مسرحية “روميو وجولييت” الشهيرة، للكاتب والشاعر الإنكليزي وليم شكسبير 1562 م، تناصاً أدبياً مع حكاية أوفيد.
وتتلخص بحكاية خلافٍ كبيرٍ بين عائلتين، وحب بين شباب وفتاة من العائلتين المتناحرتين. يتزوج روميو من جولييت، لكن والدها الذي أراد تزويجها من رجل آخر، دفعها لطلبِ مساعدة القس الذي زوجها من روميو. يعطيها القسّ سماً يجعلها تبدو كالميتة ليوم واحد، ويرسل رسولاً لروميو الذي كان خارج البلدة، فيخبره بالقصة. لكن، الرسول لا يصل، ويعلم روميو بموت جولييت، فيذهب لمقبرة الكابوليت فيجدها ممددة في تابوتها. يتناول سماً وينتحر، فهو لا يعلم بخطة القس. تصحو جولييت، فتراه ميتاً بجانبها، فتحتسي ذات السم وينتهي هذا الحب بوفاة العاشقين.
– استلهم شكسبير مسرحيته من قصة درامية للكاتب الإيطالي “لوبجي دا بورتو” Luigi da Porto عام 1524 وهي تحمل العنوان ذاته، وكان الكاتب قد استقاها من الكاتب الإيطالي “ماسوشيو ساليرنيتانو” Masuccio Salernitano عام 1476 م. الكاتب الذي استقى هذه الحكاية أيضاً، من أوفيد.
التاريخ: الثلاثاء9-2-2021
رقم العدد :1032