خلال حضورنا المعارض نسمع في أحيان كثيرة نصائح توجه للفنان، تحت ذريعة النقد، ولو أخذ بها لكانت دمرت مستقبله الفني والحياتي، هذا هو النقد التضليلي والهدام، الذي يمارسه بعض الفنانين عن جهل أو قصد، ومن السهل التعرف إلى مجانية تلك الآراء، لأنها غير مبنية على ثقافة نقدية ومعرفة بجماليات اللوحة الحديثة، وهي لا تخرج عن إطار المهاترات المزاجية المتسرعة والغير مسؤولة، والمريضة بعقدة إلغاء الآخر.
ولهذا فهي تضعنا أمام حالة من الالتباس والشك والانغلاق والارتباك، وإلا ما معنى إطلاق عبارات مزاجية، دون أن نلمس فيها أدنى إشارة لمظاهر الاختلاف في النهج والمعطيات بين تجربة فنية وأخرى، أي أن العبارات نفسها يمكن أن يعود صاحبها ويقولها لفنان آخر، حتى وإن كانت أعماله تتعاكس إلى حدود التناقض مع أعمال الأول، وهذه النظرة الضيقة، تجعل أقوال هؤلاء متشابهة وخاضعة لرؤية واحدة ترفض كل ما عداها.
ولأن اللوحة أو المنحوتة أو المحفورة هي لغة بصرية، لذا يصعب التعبير عنها بلغة ليست تشكيلية، فمعظم الأراء المشار إليها هنا تبدو بمألوفها الأدبي، بعيدة كل البعد، عن النواحي الجمالية والتقنية والتشكيلية في العمل الفني، والنقد الموضوعي لا يعني مطلقا الكشف عن النواحي التقريرية المفهومة، دون الوصول إلى النبض الداخلي في العمل الفني، الذي يعطي المبدع أسلوبية واستقلالية وخصوصية تتضمن انفعالاً ذا لون ومناخ خاصين. ولا يمكن في هذا الإطار القول إن الأقوال الاستعراضية التي تتناول المعارض التشكيلية عندنا، قد أثمرت حلولاً مقنعة في عمليات تحليل النتاج الفني، رغم وجود بعض الاستثناءات القليلة والنادرة .
وهذا يعني أن المشكلة لا تقع فقط على النقاد، وإنما تقع بالدرجة الأولى، على الفراغ الذي يعني عدم وجود ثقافة نقدية فعلية، إلا في حالات نادرة، الشيء الذي يدل على أن الأزمة في جوهرها هي أزمة قراءة ومتابعة وعدم قدرة على تفهم مصطلحات ورسالة وقدسية النقد، فالغاية المتوخاة من أيّ دراسة أو مقالة أو تعقيب نقدي تهدف التعريف بالتجارب، من منظور تطور علم الجمال الحديث عبر الغوص في تحليل الأسلوب واللمسة واللون والتكوين، لإيجاد قراءة جديدة بمعناها التعبيري والجمالي كلون وضوء ووهج أمكنة.
واللغة النقدية ليست كالمقرر المدرسي أو الأكاديمي، وليست كتابا مقدساً لا يجوز الخروج عليه، ولهذا تبرز ضرورات تجديد وتحديث المصطلح النقدي الشائع والتقليدي، بعيداً عن الكلام المفتعل والارتجالي والمتسرع والعشوائي.
رؤية ـ أديب مخزوم